ليس ثمة سوري إلا وهو يعرف من هو توفيق الحلاق،اسم من ذهب بنى مجده بيمينه وبره بوطنه، و من غزل ابتداع البرامج الواعية ذات الرسالة المؤثرة، وانحاز للثورة السورية منذ اندلاعها.. يتبع
قرأت عن صفات الأسد في مراجع علم الحيوان فوجدت أن من صفاته التي يصعب تصديقها صفة الرحمة، فهو لا يعذب فريسته قبل أن يجهز عليها، أي أنه ليس حيواناً مسعوراً فهولا يقوم بمهاجمة فرائسه إلا حين يشعر بالجوع. وهو أيضاً لا يأكل لحوم الميتة، وهو يرعى مجتمع الأسود ويزود عنها بحياته.
بينما وجدت في أسد سوريا عشقاً لسفك دماء الأبرياء وتعذيبهم حتى الموت، ثم المتاجرة بأعضائهم، وهو يستقدم الغرباء ليساعدوه في البطش بأهله ومجتمعه.
هذه واحدة من لافتات الإعلامي الكبير توفيق حلاق تصور موقفه الواضح والصريح من الوريث القاتل بشار أسد.
ليس ثمة سوري إلا وهو يعرف من هو توفيق الحلاق ، اسم من ذهب بنى مجده بيمينه وبره بوطنه، و من غزل ابتداع البرامج الواعية ذات الرسالة المؤثرة، عندما اندلعت الثورة السورية عام 2011 م، انحاز حلاق وبوضوح إلى مطالب الناس في بناء دولة ديمقراطية.
يقول الأستاذ توفيق (مع اندلاع الثورة السورية امتنعت نهائيا عن الذهاب إلى مبنى التلفزيون ورفضت إجراء أي حوار لصالح السلطة ونشطت ميدانيا وعبر الفيسبوك في مناصرة الثورة).
التهديد والمنفى
بدأ خطر الاعلامي الأستاذ توفيق يظهر من خلال امتناعه عن دعم السلطة منذ بواكير الثورة السورية ومن خلال منشوراته الفيسبوكية ونشاطه الميداني الداعم للحراك العام المناهض للسلطة.
فأرسلت السلطات السورية شبيحاً يتوعده بحرق بيته وقتل أسرته إن لم يلزم الصمت.
غادر الأستاذ توفيق الوطن بعد أن صار الوطن شبيحاً وسكيناً، وبدأ النزوح إلى لندن ثم تونس فالقاهرة فأمريكا.
ينتمي الأستاذ توفيق إلى أسرة ريفية من قرية دير عطية تقع في الشمال من دمشق وتبعد عن العاصمة حوالي 90 كيلومتراً.
هناك كما يذكر الأستاذ توفيق كانت طفولته الأولى (بين ثمانية إخوة وأخوات من أم فلاحة وأب تزوج منها في عمر الرابعة عشرة وكان لا يعرف العربية لكونه ولد في تشيلي من أب سوري وأم تشيلية كان اسمها مريام مندس وكانت مختلفة عن نساء دير عطية بلباسها وثقافتها المدنية التي تربت عليها في العاصمة سانتياغو).
كان للمحيط الأسري الأثر الواضح في تربيته؛ فيقول عن والدته لقد (تأثرت بلطفها وحنانها وبالطبع فقد كان لأمي الدور الأكبر في نشأتي التي اتسمت بالشجاعة والوطنية لأن عائلتها كانت تنتمي إلى حزب الفقراء ونائبهم في البرلمان ابراهيم طيفور)
أذكر أني كنت أقود مظاهرات لأطفال الحارة تهتف لذلك النائب، ويصف الأستاذ توفيق أثر جده بالسلبية (كما تأثرت سلباً بجدي الذي كان فظا في تربية أبنائه)
إلى دمشق
(انتقلنا إلى دمشق وأنا في التاسعة من عمري، وعشنا في دار عربية بمنطقة باب توما وكانت عائلتنا وعائلة أخرى وحيدتين من المسلمين في المجتمع المسيحي الذي يعيش في تلك المنطقة منذ مئات السنين، كان جلُ أصدقائي منهم ومن الشيعة أيضاً، فقد استقطبت دارنا خمس عائلات من الطائفة الشيعية اللبنانية إضافة لعائلة مسيحية استأجر كل منها غرفة)
وهكذا ببساطة كان التعايش السلمي الأهلي دون أي إملاء سلطوي في دمشق نسيجا من التوافق الديني والاجتماعي صنعه الوعي المدني غير المسيس كما يُبين ذلك الأستاذ توفيق .
توفيق الحلاق تلميذاً ومعارضاً
أثناء دراسة الإعدادية والثانوية شارك الأستاذ توفيق في المظاهرات تأييداً لعبد الناصر ثم ضد الانفصال ثم ضد البعث.
لكن هذه المواقف كانت فاتورتها التهميش والإقصاء الاقتصادي.
الحصار الاقتصادي والموقف السياسي
يصف الأستاذ توفيق حلاق الأوضاع السياسية في تلك الفترة بأنها كانت مبنية على التضييق والمحاسبة على الانتماء السياسي حيث يذكر الأستاذ توفيق أنه لم يقبل بعد تخرجه من المدرسة الثانوية كضابط طيار بسبب انتمائه للناصريين.
يقول الأستاذ حلاق: (كما عانيت في الحصول على وظيفة بعد انتمائي لحركة القوميين العرب)
توفيق حلاق إعلامياً
يمثل الأستاذ توفيق الناقد الإعلامي المتحرر وأناقة الإعلامي الملتزم والمتفوق سورياً وعربياً في مجال صناعة الرأي العام.
بواكير تجربته !
لندع الأستاذ توفيق يتحدث عن بداية عمله الإعلامي وكيف سار يقول:
(نجحت أخيرا في مسابقة الإذاعة وبعد انتهائي من خدمة الجيش التي استمرت 4 سنوات ونصف قمت بإعداد وتقديم أول برنامج إذاعي وكان اسمه (حياة بلدة) تجولت بسببه في أكثر من مائة قرية وبلدة منها عفرين التي كانت خارج العصر بلا كهرباء ولا ماء ولا هاتف ولا طرقات ومدرسة ابتدائية واحدة بمعلم وحيد، وبصعوبة وجدت بعض من يتحدث العربية، بعد ذلك انتقلت إلى التلفزيون لأعمل في برامج العمال والشبيبة ومجلة التلفزيون والمجلة الثقافية إلى أن أعددت وقدمت البرنامج الذي أصبح علامة فارقة في التلفزيون السوري وهو السالب والموجب الذي استمر من عام 1976 إلى عام 1986 .
ومن بعدها سوف أغيب عن التلفزيون السوري عام 1988 إلى عام 1990 لأعمل في شركة آرا السعودية التي أسست قناة ال إم بي سي.
وبدأت تعرض برنامجي الأول فيها واسمه( الموعد) الذي استضاف حوالي 70 فنانا عربيا إضافة لبرنامج خاص قابلت فيه الفنانة فيروز وكانت أيضاٍ أهم مقابلة لها في حياتها وعرضته معظم القنوات العربية .
ثم عدت إلى دمشق لأنتج برامج عديدة منها: ساعة حرة. المفتاح والليل، والنجوم ورؤيا، ومساء الخير يابلدنا، ومرحبا يا شباب، إضافة لبرامج اذاعية مثل: “موال” و”سوريا اليوم” وغيرها .
مرة أخرى سافرت إلى الإمارات لأعمل في فضائية الشارقة بين عامي 1998 و2000 برامج سياسية وثقافية واجتماعية تربو على 300 حلقة .
ثم عدت إلى دمشق لأنتج برنامجا من أهم برامج التلفزيون تلك الفترة واسمه (ابن البلد) استقطب 245 شخصية سورية مبدعة في كافة المجالات.
أوقف البرنامج من قبل الأمن لأنه أضاء على مجتمعات الأقليات مثل الكرد والأرمن والشركس والتركمان والدروز بشكل ملفت ومن خلال تراثهم ولغاتهم .
عملت في الصحافة المكتوبة لمجلات وصحف إماراتية مثل الصدى والمرأة اليوم والخليج)
بين الأستاذين معاذ الخطيب و حلاق
وعندما بدأت خطوات المنفى تسري في حياتي التقيت به في مصر وكان وقتها الأستاذ معاذ معتقلاً فإذا بالأستاذ حلاق يتصل بي لنسجل حلقة بصفتي واحداً من تلاميذ الخطيب حول ملامح شخصية الشيخ الخطيب وحول سير المؤسسة الدينية في سوريا كان حوارا صادقا لمست بالأستاذ توفيق حلاق بلاغة غير معهودة في الإعلاميين وصوتا وطينا غير متحزب ولكن تجربة هذا الرجل لم تحظ من البحث والمناقشة ما يكفي وكل ما قيل ويقال عنها مجرد شوارد وتأملات فردية…
إني على يقين أن شبح هذا الإعلامي يطارد التلفزيون السوري الذي عرفه إعلاميا لا ينافس فهو الذي قال (ما تربيت عليه وعززته بالقراءة والثقافة هي قيم الحرية والمواطنة والمساواة بين الناس والحكم الديمقراطي.
ولقد كرست كل عمري للدفاع عن المظلومين والمعذبين والمقهورين بغض النظر عن هوياتهم الدينية والقومية .
وكل برامجي بدون استثناء حملت هذه الرسالة ، وأنا الآن كما في السابق أعاني من مجابهة أنواع التطرف الديني والقومي والعلماني أيضا.
أؤمن بأن الإنسان خلق حرا وأن عليه أن يزيح عن كاهله موروثات متخلفة سواء كانت اثنية أو عنصرية، وأن يؤمن بأن لكل إنسان نفس الحق للإنسان الآخر.
لقد وصلت إلى قناعة مفادها أن الدول والحدود وجوازات السفر تمثل قيودا على الحرية والتقدم والعدالة.
—————————
د. علاء الدين ال رشي مدير العلاقات العامة في المركز التعليمي لحقوق الإنسان.
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
