بعد انهيار الاتحاد السوفيتي كان لابد لأمريكا من عدو جديد يكون مبررا لاستمرار حروبها خارج أمريكا ونصب قواعدها وبوارجها في العالم. يتبع

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي كان لابد لأمريكا من عدو جديد يكون مبررا لاستمرار حروبها خارج أمريكا ونصب قواعدها وبوارجها في العالم لكي تتمكن من السيطرة على مقدرات العالم بأكمله وتنهب خيرات وثروات البلاد والشعوب فاخترعت عدوا وهميا سمته الإرهاب وخصت به المسلمين لتضرب بذلك أكثر من عصفور بحجر.
أولا: لكي تخلق إسلاموفوبيا من هذا الدين الذي حذرت مراكز الأبحاث من خطر انتشاره الكبير في أمريكا والغرب حيث كان عام 2000 ينتشر في أمريكا مثل النار بالهشيم حتى جاءت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول لتشكل الصدمة اللازمة للشعب الأمريكي والغربي عموما.
ثانيا: أرادت أمريكا أن تتمدد بدول المسلمين الغنية فاحتلت تحت ذريعة الإرهاب العراق الغني بنفطه الخام وثرواته فقتلت مليون طفل عراقي وهجرت نصف الشعب العراقي وعاثت كعادتها فسادا ونهبا وإجراما وفاحت روائح إرهابها في سجن أبو غريب بعد تسريب الصور الوحشية هناك.
واليوم بعد مرور خمسة عشر عاما على أحداث تدمير برجي التجارة العالميين اخترعت قانون جاستا أو قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” هذا القانون الذي ينص على حق المتضررين بملاحقة الدول والشعوب التي ولدت الإرهاب ورعته على حد زعمهم وتغريمهم بأموال طائلة وأرقام فلكية كتعويض لأسر ضحايا برجي التجارة العالميين وغيرهما، وقانون جاستا هذا يسمح للمحاكم الأمريكية بالنظر في الدعاوي التي تتعلق بمطالبات ضد أي دولة أجنبية فيما يخص الإصابات أو القتل أو الأضرار التي تحدث داخل الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة لعمل إرهابي يرتكب في أي مكان من قبل دولة أو مسؤول أجنبي.
والخطير أن هذا القانون يمكن المتضررين من رفع دعاوي مدنية ضد أي دولة أجنبية أو مسؤول فيها كما يخول القانون المذكور للمحاكم الفيدرالية ممارسة الولاية القضائية الشخصية وفرض محاسبة لأي شخص يرتكب مثل هذه الأفعال أو يقدم المساعدة أو يحرض أو يشرع في ارتكاب أي عمل من أعمال الإرهاب الدولي ضد أي مواطن أمريكي.
وبالأمس القريب صوت الكونغرس الأمريكي بمجلسيه لرفض فيتو أوباما بخصوص قانون جاستا فبدأت الحملة على السعودية لملاحقتها قانونيا وتغريمها أموالا طائلة بأرقام فلكية كتعويض لأسر ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وبرجي التجارة، إذًا ملاحقة السعودية برمزيتها الروحية عند ملياري مسلم كراعية للإرهاب يجعل العالم كله على المحك، فأمريكا انتقلت بقانون جاستا من محاربة الإرهاب إلى قبض ريعه وعائداته (هذا الإرهاب عدوها الوهمي الذي لا يوجد حتى الآن تعريف محدد له ليبقى المصطلح مطاطيا ليسهل لي عنق هذا المصطلح وتمييله حيث تميل الرغبة الأمريكية).
أمريكا بدأت اليوم بمرحلة نهب الدول والشعوب من خلال مقاضاة الإرهاب بتغريم من تشاء بتعويضات مالية كبيرة وتبقي الجميع في حالة قلق فيسارع الجميع لتقديم فروض الطاعة والولاء أكثر وهذا لوحده هدف من أهدافها .
إذا أردت أن ترى حكم عصابات المافيا في الأرض عندما تتنكر بزي الدول الرسمي فانظر إلى أمريكا وهي تشبح على أموال وأرزاق السعودية، وغيرها من الدول، ثم أليس من المفروض على قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب أن يعرف أولا مفهوم الإرهاب ثم يكون عادلا في تنفيذه؟.
أليس جاستا قانونا مسيسا يبرر لأمريكا تنفيذ سياساتها في نهب الشعوب والدول؟ أليس توقيت هذا القانون بعد أن قامت أمريكا بتوقيع الاتفاق النووي مع إيران وأفرجت لها عن أموال مجمدة بملايين الدولارات ثم اخترعت جاستا لإغراق المملكة العربية السعودية بمليارات الدولارات وهي العدو اللدود لإيران يعتبر توقيتا مريبا مثير للشك ويشي بنية أمريكية معادية للسعودية لصالح عدوتها إيران التي تمارس في سوريا دعما للنظام الطائفي فيها أبشع جرائم الإرهاب وتفعل الشيء ذاته في اليمن دعما للحوثي ضد السلطة الشرعية هناك وتثير الفتن وتدعم حزب الله وغيره من مئات المليشيات الطائفية الشيعية في العراق وسوريا ولبنان دون أن يشملها قانون جاستا أم أن دورها المسهل لأمريكا في احتلال العراق يشفع لها اليوم عند أمريكا وكأن هذا القانون مفصل للسعودية فقط لنهبها وجعلها تحت الضغط الأمريكي بشكل مستمر .
إذًا الكونغرس بالتصويت رفض فيتو أوباما وأقر القانون ولن ينفع بشيء قول أوباما “إن إبطال الفيتو بشأن قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب كان خطأ ويمثل سابقة خطيرة” ولن ينفع كلام الفقهاء القانونيين الأمريكيين وكبار المسؤولين الأمنيين حول خطر جاستا على الحصانة السيادية للدول التي تحمي المسؤولين الأمريكيين يوميا وتنبههم أن هذه الحصانة قائمة على مبدأ المعاملة بالمثل، كل ذلك ذهب أدراج الرياح والكونغرس أقر القانون وصادق عليه ومنذ يومين سجلت أول دعوى لدى المحاكم الأمريكية تقدمت بها سيدة أمريكية أرملة أحد ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ضد المملكة العربية السعودية مطالبة إياها بالتعويضات القانونية .
إذا كان قانون جاستا واسمه قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب فالأولى أن ينفذ القانون على مشرعه قبل غيره تطبيقا للعدالة واحتراما للقانون نفسه فإن لم يكن من جاستا بد فليكن قانون جاستا على الولايات المتحدة الأمريكية أيضا .
هناك مئات الملايين يحق لهم جاستا ضد أمريكا ذات التاريخ الإجرامي منذ نشأتها على جماجم الهنود الحمر السكان الأصليين لأمريكا مرورا بأمريكا اللاتينية ثم اليابان وفيتنام وافغانستان والعراق وسوريا على سبيل المثال لا الحصر فحصر جرائم أمريكا عمل قريب من المستحيل إذآ فلتكن جاستا على من اخترعها كشكل قانوني لنهب خيرات وثروات الدول والشعوب فجاستا كما أنها ضد الدول فهي أيضا ضد الشعوب وحتى ضد كل شخص ينطبق عليه القانون أينما وجد .
واضح جدا للشعب الأمريكي وللغرب عموما بديمقراطيته العريقة أن هذا القانون بحد ذاته جريمة ضد حقوق الإنسان الدولية وسيطيح بكل أسسها ومعاييرها، هذه الحقوق التي حرمت أن يمتد العقاب على الجريمة لغير فاعلها وأختم بما قاله فقهاء القانون في أمريكا بأن السماح بتحميل الدولة مسؤولية جنائية وتحميل شعب بأكمله مسؤولية جريمة اقترفها أفراد يعتبر أمرا جنونيا .
فهل يرجع ساسة أمريكا لعقلهم ويلجمون هذا القانون المجنون؟!!
عبدالله مصطفى
محامي وكاتب سوري
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
