محمد فضل الله الزغلامي يكتب: مات صديقي

نظرت إلى صديقي الذي بدا محبطا و طلبت منه بأن يشاركني ووالدي الغداء، دخلنا إلى المنزل.. سألتُ والدتي عما إذا كان والدي قد عاد من عمله. يتبع

سألني صديقي كعادته حين جلسنا في ذلك المقهى المطلّ على شارع الثورة عن أحوالها فخفت أن أخبره بأنّها قد ماتت يوم مات هو وطلبتُ منه في ارتباك بأن يشرب قهوته قبل أن تبرد لأتفطّن إلى أنّه لم يحرّك حتّى قطع السّكّر بداخلها.

أعطيتُ ثمن الكأسين إلى النادل الذي دائما ما يرمقني بنظرات استغرابٍ وغادرنا، وبينما كنّا نتجوّل في أزقّة المنصورة الحزينة تساءل صديقي مهنّد مستغربا عن سبب غياب المظاهرات التي كانت تُزيّن النُهج وتملؤها حياةً فقلتُ له بأنّ الإخوان قد ابتعدوا عن المشهد الثوري استجابة لمطالب الأحزاب المدنية التي رأت أنّ غياب شعارات رابعة سيُسهّل عليها الإطاحة بحكم العسكر، فقال:” وهل سقط حكم العسكر حين غاب الإخوان المسلمون؟” ابتسمت وقلت: “بل قل سقطت الثورة وسقط شهداء جدد.

كما ترى يا صديقي صمتت المنصورة وكلّ شوارع مصر وبعد أن كانت تتغنى كل جمعة بالحرية صارت أزقّتها شبيهة بداريا السورية خالية من البشر، تسكنها جثث هامدة بوجوه عليها غبرة ترهقها قترة، عماراتها متداعية، هواؤها مسموم، يمشي فيها البلطجي جنبا إلى جنب مع الباشا يتصيدان مواطنا يقترب من عربية الشرطة للانقضاض عليه وتحميله وزر جريمة لم تحصل بعد، أمّا جموع التيارات المدنية والأحزاب الثورية فقد اكتفت بالعالم الافتراضيّ ميدانا تدّعي فيه بطولات أشبه بإنجازات عبد الفتاح السيسي، فحركة 6 أبريل لم يبقَ منها سوى بعض الصفحات الفايسبوكيّة، تنظّم من خلالها في كلّ مرّة مسيرات فاشلة وأخرى وهميّة، تمنّي النفس بمليونيّة الغلابة وتحثّ دون جدوى جموع الفقراء والمهمّشين.. مهلا، إنّ الغلابة لا علاقة لهم أصلا بعالم 6 أبريل الافتراضيّ، فالغلابة لا يملكون وقتا للشبكة العنكبوتية فهم يموتون، دماؤهم لوّنت سكك الحديد في بني سويف.

أمّا الليبراليّون فاختاروا عالما افتراضيّا آخر، يستمتعون فيه بتغريدات بطلهم الهمام، صاحب جائزة نوبل للسّلام ومحتكر سوق أحلام الشباب، يبيعهم الوهم ليل نهار ثمّ يجزع لقيود العسكر وأمام كلّ طاغية وظالم، ينتظر، كما فعل سابقا، ولادة جيلٍ جديد يضحّي كسابقيه بخيرة شبابه من أجل إسقاط ديكتاتور مصر حتّى يتسنّى له، أي محمد البرادعي، الركوب على تضحيات من يحلمون بمصر ديمقراطية، وأمّا ثلّة الإعلاميّين الشجعان فقط في وجه محمّد مرسي، فمنهم من فرّ إلى الولايات المتحدة الأمريكية، يحاول في يأسٍ الإبقاء على رصيده الثوري عبر تدوينات لا تسمن ولا تغني من جوع، ومنهم من واصل السير في طريق “30 يونيو” و هلّل وصفّق لمشروع قناة السويس لصاحبه عبد الفتاح السيسي قبل أن يضيّق عليه هذا الأخير الخناق ليجبره في النهاية على مغادرة قناة “اون تي في” وتعلّم اللغة الألمانية.

ومنهم أيضا من استفزّتها تسمية 30 يونيو بالانقلاب مؤكّدة على أنه انقلاب على جماعة الإخوان المسلمين إلاّ أنّ جماعة من المسلّحين تابعة لنظام السيسي احتجزوها على طريقة العصابات قبل أن يتمّ ترحيلها إلى مسقط رأسها لبنان، وأمّا عبد المنعم أبو الفتوح فقد اكتفى بحزبٍ كرتونيّ سمّاه “مصر القوية” ومصر هذه الأيام تحتضر يا صديقي، تخاله في البداية شجاعا حتّى يزمجر قائد الانقلاب العسكريّ كما زمجر في وجه الدولار فيغيّر أبو الفتوح وجهة أسهمه نحو قاعة المحكمة حيث يقف محمد مرسي العياط أمام القاضي مرتديا ثياب الإعدام.

وأمّا خالد علي فلم يجد غير جزيرتين مصريتين أو سعوديتين، غير مهمّ، فلا الشعب المصري ينعم بخيراتهما ولا الشعب السعودي يعرفهما أصلا، المهمّ أنّ خالد علي كان الوحيد الذي استفاد من الجزيرتين، حيث جعلهما عنوانا ملأ به رصيده النضالي ووسيلة قرّبت بينه و بين رجال الأمن فصار ينهي المظاهرات متى طلبوا منه ذلك كما فعل في “جمعة الارض”.

نظرت إلى صديقي الذي بدا محبطا و طلبت منه بأن يشاركني ووالدي الغداء، دخلنا إلى المنزل.. سألتُ والدتي عما إذا كان والدي قد عاد من عمله وطلبت منها أن تطبخ لنا ألذّ المأكولات، فصمتت ونظرت إلي في حزن مخافة إخباري للمرة الألف بأنّ والدي قد توفّي منذ سنة داخل السجن الحربي وأنّ صديقي مهنّد قد استشهد منذ يومين بعد صراع مع سرطانٍ تسرّب إلى جسده حين كان معتقلا في مقبرة العقرب.

محمد فضل الله الزغلامي
مدون تونسي

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان