تقابل الخصمان في المنتصف؛ صافح ترامب كلينتون؛ وأرفت علي مرفق يديها الأيمن؛ بضربات خفيفة ؛ وهو ما جعله في موضع قوة. يتبع

السجال العقلي، المناورة بالكلمات، بالملابس؛ بالتعبيرات؛ المباراة صفرية؛ فوز طرف هو انحدار أو بالأحرى انهيار الطرف الآخر، المناظرة الأمريكية بين المرشحين (ترامب) و(كلينتون)؛ لم تكن أبدا مناظرة؛ نقاط الضعف في كلا المرشحين ظهرت؛ اللعب علي دغدغة عواطف الناخبين والمتابعين للمناظرة بات جليا؛ هؤلاء من يقدرون قيمة الناخب الواحد؛ وحقه في المعرفة والإطلاع علي البرنامجين لأنه هو الفيصل والقاضي بينهم؛ في سباق الترشح؛ وسنتوقف أمام خمس محطات تتعلق بالخصمين:
1- لغة الجسد: في بداية المناظرة؛ تقابل الخصمان في المنتصف؛ صافح ترامب كلينتون؛ وأرفت علي مرفق يديها الأيمن؛ بضربات خفيفة ؛ وهو ما جعله في موضع قوة ؛وأظهره أكثر تماسكا ؛إتجه الطرفان كلا إلي منصته؛ استخدمت كلينتون ابتسامتها الناعمة، وهدوئها في الحديث؛ بدت وكأنها واثقة من النصر؛ وهو ما إنعكس علي ترامب الذي تسرب الشك إلي قلبه؛ فشرب أكثر من(5) مرات من كوب الماء المتموضع أمامه؛ إلا أن كلينتون لم تكن أفضل حال مطلقا ؛ فبملاحظة قدميها ؛كانت تثني قدمها اليمني إلى الأمام دائما في محاولة طلب الإسترخاء المنشود؛والهدوء المقصود؛ وهو ما وصلت إليه بعد مقاطعة ترامب كثيرا؛بدا ترامب وكأنه يقنع مدير الجلسة وكلينتون والجماهير الحاضرة ؛أكثر من مخاطبته الملايين عبر الشاشات ؛وكأنه لا يعبأ بهم ؛لم ينظر إلي الناخبين عبر الشاشات ؛إكتفي بالحضور.
2- الطبقة الوسطي: هي الأكبر؛ والأكثر قدرة علي الحشد؛ حلقة الوصل في المجتمع، تحدد ماهيته؛ حدود قدرته ومستقبله؛ التركيز عليها كان جليا، ذكرتها كلينتون ما يقارب 5 مرات؛ في المناظرة؛ تريد كلينتون الاستثمار صحيا وعلميا في هذه الطبقة؛ التي تنسب نفسها برفق إليها؛ في بلد يمتلك أكثر من 3 ملايين الثروة والمال؛ بالتالي الاستحواذ علي هذه الطبقة؛ هو الصراع والخط العريض لحملة كلينتون.
3- الحنكة السياسية: وعد ترامب بخفض الضرائب علي الشركات المتوسطة والكبيرة؛ بنسب تتراوح من 15% إلي 35%؛ فيما تحدثت كلينتون في المطلق؛ عن إقرار تشريعات لخفض الضرائب؛ الرقم الذي طرحه ترامب؛ إن وصل إلي سدة الحكم سيظل عائقا أمامه؛ يسيرا علي المواطنين استحضار الرقم؛ ومحاسبة ترامب عليه؛ إن لم يتحقق؛ فسيكون حجر عثرة أمام فترة رئاسية ثانية لترامب؛ يبدو أن حظوظ ترامب هي من تنتقي كلماته.
4- الدعاية العكسية: منذ إعلان ترشح ترامب؛ إستطاع أن يستحوذ علي مساحات الأعلام؛ تصريحات ترامب المثيرة للجدل أو المستفزة تضعه تحت الأنظار؛ اتضح أن الرجل لم يكن مجنون ؛فقط اتبع منهج دعائي رائع؛ جعلك تتابع شخصه من تصريح؛ أو تغريدة؛ أو لقاء متلفز؛ اعتقد السواد الأعظم أن ترامب سيسير علي نفس المنوال؛ إلا أن ترامب بدا هادئا أكثر من المتوقع ؛يقاطع كلينتون بأدب؛ بدون صياح أو نباح؛ أوضح أن سيعمل مع كلينتون في حالة إضطلاعه بالمهمة ؛بادلته كلينتون نفس الشعور؛كروتين كلاسيكي.
5- السمات الشخصية: تناوب المرشحان في إظهار ملكاتهم، ترامب ذكر هذه الجملة (الصين تخفض عملاتها بشكل غير نزيه ) حوالي 3 مرات؛ للدلالة علي اطلاعه؛ أو سياسته التي ستقف ضد الغزو الصيني لبلاده؛ أردف ترامب الحديث عن المكسيك؛ وعن أصدقائه هناك؛ وذكر القيود المفروضة علي التجارة الأمريكية إلى المكسيك؛ وما يقابلها من تساهل مشين للسياسة الأمريكية؛ في تيسير دخول البضائع المكسيكية ؛مطالبا بتطبيق مبدأ (المعاملة بالمثل )،راوغت كلينتون ترامب ؛عن كونها نشأت في عائلة كادحة ؛كان أباها يعمل طول اليوم ؛وهو ما يضفي علي كلينتون أحقية إنتمائها للطبقة المتوسطة والكادحة ؛أو بالأحري إنضمام تلك الطبقات إليها ؛فر ترامب من الضربة ؛أقر أن أباه (أقرضه ) 40مليون دولار ؛لكن ما جعله في الريادة ؛هو عمله وعقله ؛وأمله في بناء الولايات المتحدة يوما ما ؛هذا أضاف إلي ترامب الكثير ؛عائلته علي الرغم من غناها ؛إلا أنها أقرضت ولدها ؛لم تجعل ولدها يعيش حياة الترف أو البذخ ؛لكن كل شئ محسوب ومنظم.
لأول مرة أشعر بالعناء في إنتزاع لقب فقير؛ كلينتون وترامب ودا كليهما لو أنهم أبناء العاملين بالمناجم؛ أو النقل العام؛ أصبح الفقر شرف للحصول علي مزيد من الأصوات؛ الفقر ينتزع التصفيق والآهات؛ المساومة علي كل شئ هي الأساس؛ أن تسمع الشئ مائة مرة وكأنك تسمعه لأول وهلة؛ هو منتهي الإحساس ؛بقي التاريخ وأحداثه هو الفيصل؛ وهو القاضي الذي فقد شرفه؛ في باحات السياسة الأمريكية ؛كما سيس ودنس ؛وفقد عذريته في ساحتنا العربية.
عبد الله جودة
كاتب ومدون مصري
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
