سعاد تيرس تكتب: الاتحاد الأوروبي والحرية الجنسية للجزائريات

الأمر في شكله لا يدعو إلى القلق والتوجس، مادامت القوانين تعمل على تمكين المرأة، لكن الأمر يصبح مثيرا ومستهجنا عندما يذكر المشروع الحرية الجنسية للمرأة غير المتزوجة.. يتبع

سعاد تيرس

رصد الاتحاد الأوروبي 130 الف اورو لتشجيع الجزائريات على الحرية الجنسية، جاء هذا الخبر في عدة جرائد وطنية وجر معه سيلا من التساؤلات والجدل حول طبيعة هذا الموضوع العجيب.

يمس المشروع ولايات الغرب الجزائري وعلى مدى 30 شهر، تحت إشراف جمعيات نسويه مدافعة عن حقوق المرأة وهو يدعو ليس فقط للحرية الجنسية للمرأة الجزائرية بل الحرية الإنجابية بتعاطي حبوب منع الحمل والإجهاض.

ويتمتع بموافقة رسمية من السلطات العمومية لضمان حقوقها وتجنيد الجهات، قضائية، ومدنية، واجتماعية، وإعلامية؛ حتى تضمن استيعاب أكبر للعملية وبالتالي تحمي حقوقها في إطار الحرية الجنسية والإنجابية، وتحميها من العنف الجنسي، وتعلمها قواعد الصحة والتنظيم العائلي والحمل والولادة ووسائل منع الحمل.

لكن الأمر يصبح مثيرا ومستهجنا من الأوساط المحافظة وحتى المتفتحة عندما يذكر المشروع شريحة من النساء وهن غير المتزوجات

الأمر في شكله لا يدعو إلى القلق والتوجس، مادامت قوانين الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية تصب في صالح تثبيت وتمكين المرأة من حقوقها المدنية والاجتماعية والسياسية، ويبرز هذا الاتجاه في التعديل الدستوري الأخير، والأمر طبيعي يندرج في جهود المرأة ونضالها في تحقيق المزيد من المكتسبات في الجزائر وكل الدول العربية على حد السواء، ولأنها بحاجة إلى كل الدعم النفسي والمعنوي والأدبي في المجتمعات العربية التي لا تزال توصف بالذكورة وتعتبر ما حققته المرأة إلى اليوم يكفي ويزيد عن الحاجة.

لكن الأمر يصبح مثيرا ومستهجنا من الأوساط المحافظة وحتى المتفتحة عندما يذكر المشروع شريحة من النساء وهن غير المتزوجات ـ هنا مربط الفرس ـ كيف تلتقي الحرية الجنسية مع المرأة غير المتزوجة؟ أقول المرأة حتى لا أقول الفتاة وهذا اتركه بين قوسين.

الأمر خطير في اعتقادي، لأنه يتعارض جملة وتفصيلا مع الشريعة الإسلامية التي تعتبر المرجعية الأولى لقانون الأسرة.

ويختلف أيضا مع التقاليد والأعراف، نريد ان نفهم ما المقصود من الحرية الجنسية وما أشكال حمايتها؟ ماهي حدودها ومساحتها؟ ماهي صور تطبيقها في الواقع؟ والواقع نحن نعرفه جيدا فلا تزال السلطة الأبوية والأخوية والعروشية والعرف والموروث الثقافي تلعب دور صمام الأمان للمنظومة الأسرية وتماسكها وبشكل أوسع العائلة والمجتمع.

لا يمكن أن تكون النية سليمة عندما تقترح أفكار متحررة أكثر من اللازم خاصة ما تعلق بالمرأة العربية وما يعني المرأة كإسقاط الولي والحق في الإجهاض، وما دخل الاتحاد الأوروبي ؟!

وهناك اعتبارات أخرى ولا تزال أمور كثيرة لم يغيرها لا الزمن ولا التطور التكنولوجي ولا الجمعيات النسوية وما تدعو إليه، وقد نجد هذا الوضع غير شائع في المدن الساحلية الكبرى لكنه ما يلبث ان تجده سائدا بشكل ملحوظ كلما اتجهنا نحو المناطق الداخلية من الجزائر وأظن هذا ينطبق على دول عربية كثيرة .

إن الحرية الزائدة قد توصل إلى الانفلات والانحلال الخلقي، بالله عليكم هل نحن بحاجة إلى مثل هذه القنابل العنقودية لنفجرها فوق رؤوسنا؟ لا يمكن أن تكون النية سليمة عندما تقترح أفكار متحررة أكثر من اللازم خاصة ما تعلق بالمرأة العربية وما يعني المرأة كإسقاط الولي والحق في الإجهاض، وما دخل الاتحاد الأوروبي ؟!

من اشتكى وأسر له أن هناك مشاكل لدى المرأة العربية تريد أن يساعدها في حلها، اللهم إلا الجمعيات النسوية التي تأخذ على عاتقها حل العقد النفسية للمرأة التي اخترعتها هي وتبنتها بعيدا وأشهرت الوصاية عليها، دون استشارتها.

وتنسى هذه الجمعيات أن مشاكل المرأة أكبر و أعمق، وما من أحد أوكل لها هذه المهمة المشوهة والمشبوهة.

إن هذه الجمعيات تمثل نفسها فقط، وعدد من النساء اللاتي يجلسن يستمعن لها في قاعات الفنادق الفخمة بعيدا عن الواقع وما تعيشه يوميا تلك المرأة العربية من أقصى العراق إلى أخر نقطة عند الساحل الأطلسي ومن عمق اليمن إلى بلاد الشام، وإلى تخوم الصحراء.

 

أين البحوث التي تكتب وتناقش والأطروحات العلمية المكدسة على رفوف مكتبات جامعاتنا؟

 

أي لغة يجب أن نتكلم نحن النساء مع الاتحاد الأوروبي وغير الأوروبي مع منظمات حقوق الإنسان وهيأت العالم غير المتحدة، يكلموننا عن حقوق الإنسان، وينسون أن البلاد العربية تملك مواثيقها وقوانينها ونواميسها السماوية والوضعية.

هل عجزت حكوماتنا وهيأتنا ومخابرنا ومراكزنا البحثية في إيجاد البديل ؟ واقتراح المشاريع المناسبة والحامية للمرأة والأمومة والطفولة والعنف الجسدي والجنسي والزوجي والأسري وكل أشكال التمييز؟

أين البحوث التي تكتب وتناقش والأطروحات العلمية المكدسة على رفوف مكتبات جامعاتنا؟

نحن ننتج العدم لنملا به فراغنا الفكري والروحي والقيمي، وحين ننتشي ننظم شعرا وقصائد من كل البحور، علنا نعثر على ما يدلنا على ما تبقى من الهوية والانتماء.

المرأة العربية وأنا أقولها باقتناع وبمرارة لا يزال أمامها معارك كثيرة تنتظر أن تحقق فيها انتصارات ومغانم في أبسط أمور حياتها

لقد قيل الكثير عن معاهدة سيداو وما تضمه والفائدة من المصادقة عليها، وهل لها أوجه خفية لم يفصح عنها؟ وماذا ستجلب لنا مستقبلا؟

الجميع يعلم ان المرأة تعاني في العالم من العنصرية والتمييز وحقوقها مهضومة وتتعرض لشتى التجاوزات بشكل لافت في مناطق التوتر والحروب وفي الدول النامية والمتخلفة لكن هذا لا ينفي أن تكون المرأة في العالم المتقدم لا تعاني هي الاخرى من أشكال العنف والتوحش الحضاري وانحسار دورها في الفضاء الأسري وسواد الحرية الفردية المطلقة، هي ليست بخير.

أما المرأة العربية وأنا أقولها باقتناع وبمرارة لا يزال أمامها معارك كثيرة تنتظر أن تحقق فيها انتصارات ومغانم في أبسط أمور حياتها، تخوضها وقد أعدت لها العدة فلا تكلمونا في أمور لا نفهمها، قد تمسخنا وتشوه خرائطنا الجينية وتقلب سحنتنا، خصوصية مجتمعاتنا العربية وثوابتنا وانتماءاتنا، تصنع بقائنا وتضمن استمرارنا.

————————————-

سعاد تيرس

باحثة جزائرية  في التاريخ الحديث والمعاصر

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان