داليا الحديدي تكتب: رحمة لا جحمة على العالمين

يقولون أن الشيطان في التفاصيل وأرى الحق فيها، فالتفصيل إذا ما تزوج الدقة أنجبا توأم الإيضاح و البيان. يتبع

يقولون أن الشيطان في التفاصيل وأرى الحق فيها، فالتفصيل إذا ما تزوج الدقة أنجبا توأم الإيضاح و البيان.

ومن التضليل وضع الملحدين مع الوجوديين في سلة واحدة مع الكفرة والمشركين و اللا أدريين والربوبيين سواء بسواء مع القرآنيين والعلمانيين مع المنافقين في رحم فكري واحد.

 ليسوا سواء، فشتان بين ملحد مرتكن لتفسير الصدفة للكون، عن اللا أدري ” دارون” ذاك من أفضى عمراً بحثاُ عن الخالق و أنهاه مُقراً بعدم درايته و معترفاُ انه ود لو عرف، فقد تعانقت في وجدانه المعرفة والشك رغم أنه كان يبحث ليعرف  لكنه فقط ضل الطريق .. و اعترف بكونه لم يصل لمعرفة الله، على أنه لم ينكر وجوده ولم يؤكده بل أقر بعدم قدرته على الوصول لمعرفته أو إدراكه.

 فاللا إدريين قد سعوا بدأب لمعرفة الله وبحثوا لكنهم فشلوا في الوصول إلى طريق الله .. بيد أنهم و – يحسب لهم- أنهم بحثوا وعلى الأقل كانت لديهم الرغبة في المعرفة الحقة البعيدة عن الخزعبلات.. كانوا يريدون أن يعرفوا الله الحق وأن يفكروا للوصول إليه، وقد أعلنوا رفضهم التنازل عن عقلهم لأخرين يفكرون لهم أو عنهم، و لا أعيب عليهم عدم قناعاتهم بما نقل اليهم من فرط أشياء لا يقبلها عقل.

على الجانب الآخر، نجد الربوبي مسلم بوجود الله، على أنه مشكك في الوحي و تبعاته من تشريعات سماوية تقنن مواريث و تتداخل في شتى جوانب الحياة باسم المقدس، فالربوبي لا يرفض الاعتراف بوجود الخالق، بل على العكس فهو يؤمن بالله لكنه يكفر بالكهنة و شروحات الشيوخ للنصوص في ظل دعاوي تعطيل العقل.

بينما الكفرة واثقين من وجود الله و مؤمنين بأن الوحي حق و لكنهم يكفرون به و ينكرونه، لا عن ريبة في حقيقة الوحي و لكن خشية تبعات الالتزام بالتشريعات السماوية و أعباؤها.

فكلمة كافر تعني يُغطي، و تُجمع على “كفار” أي من يغطون و تُطلق أيضاً على المزارعون كونهم يغطون بذورهم في التراب .. ومنها كفر، فأغلب مناطق الأرياف تسمى ” كفور و نجوع” لأن الفلاح يحفر الأرض و يضع فيها بذوره ، ثم يكفرها أي غطيها بالتراب.

و في سورة الحديد الآية 20، يقول سبحانه:“اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ”

و يقول البيضاوي في تفسيره: كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً هو تمثيل لدورة الحياة في سرعة انقضائها و قلة جدواها كما في حال النبات الذي أنبته الغيث فاستوى وأعجب به الحراث أي الفلاحون، كما الكافرون بالله لأنهم أشداء إعجاباً بزينة الدنيا.

أما الشوكاني فيقول في تفسيره للآية: إن الكفار أي الزراع الذي يكفرون البذر و يغطونه بالتراب، يعجبون بما انبتت أراضيهم ثم لا يلبث هذا النبات أن يهيج أي يجف بعد خضرته و ييبس، فتراه مصفراً، أي متغيراً عما كان عليه من الخضرة و الرونق إلى لون الصفرة والذبول ثم يكون حطاماً، أي فتاتاً، هشيماً، متكسراً، متحطماً بعد يبسه.

والمعنى أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته و كثرة نضارته ثم لا يلبث أن يصير هشيماً، تبناً كأن لم يكن!

ثم نأتي للمنافقين الذين عُرف عنهم ادعائهم الإيمان فيما قلوبهم مطمئنة بالكفر، فهم يظهرون غير ما يبطنون خشية قوة المسلمين وقتها.

أما القرآنيون فيعتنقون القرآن منكرين ما ورد من أحاديث، لكثرة ما دُسّ من تحريفات في السنة.

وبحسب العلامة عدنان إبراهيم:” فقد استخدم الغُلاة الحدية الإقصائية في الخطاب الديني، لا إزاء غير المسلمين فحسب بل ازاء المسلمين من طوائف مختلفة، مستسهلين التكفير و التفسيق و الزج بمن لم يتوئمهم عقائدياً في سلة الكفر، بتلبيس الافتراءات لتشويه الآخر، كالادعاء على الشيعة بقولهم أن الوحي كان حرياً أن ينزل على  الإمام علي لا نبينا محمد(ص)!

وبغطرسة فجة خولوا لأنفسهم صلاحيات ربوبية للقضاء على مخالفيهم، فعبوديتهم الحقة لمذهبيتهم معتقدين أن من فكر كفر، فلو وافقتهم قدسوك وإن خالفتهم أبلسوك، فكثر ما زندقوا وأهدروا الدماء باسم الدين.

وقد أزهق روح النص ومقاصده بعد نشر ثقافة الترهيب الديني التي وسّعت دائرة المحرم وضيقت نقطة المباح بل ترجمت الرسالات السماوية ترجمات كارثية احتكرت الأعنف في تصوير الغايات الربويية، كما ولدت روح الكراهية للآخر، ففُضحت وحشيتهم وفقرهم الرحموتي، رغم أن لله خلقنا شعوب و قبائل مختلفة لنتعارف لا لنتقاتل”.

ومع تخلف المجتمعات الإسلامية على شتى الأصعدة، إلا أن ثمة عقلية ترى أن لقب مسلم في حد ذاته يرتقي بهم إلى قمة السلم البشري.

وللمفكر الجزائري محمد بن نبي كلمة أشار فيها إلى أن المسلم حديثاً فشل في التسلح بعقلية تلميذ يستفيد من الحضارات المتقدمة وأبى إلا لعب دور أستاذ البشرية، منتشين بأمجاد الماضي مع قابلية لكراهية الأغيار و شوق لإبادتهم و قد جعلوا الدين سلة تحريمات ووعداً لإنهاء الحياة لا لتحسينها متوهمين أن هكذا خطاب ديني سينطال على العقلاء!.

والنتيجة أن الناس بدأت تخرج من دين الله أفواجا، فالمسلمون يأفلون ويذوون ودينهم بدأ يفقد صدقيته لدى البعض نتيجة للسلوك القمعي من هؤلاء المقفولون نفسياً على حد قول دكتور عدنان، بينما يستمر دعاة الكراهية في التضخم بل و يشعرون بالتحقق حال إحالة معارضيهم لأكفان.

يستقون من علوم الغرب، يرتقون من فنونهم، يقتبسون من فكرهم، يعربدون في ملاهيهم، يتداوون في مشافيهم، يتعلمون بجامعاتهم، يلبسون تصاميمهم، يتاجرون ببضاعتهم، يستنسخون برامجهم، يدرسون نظرياتهم، يلجئون لأوطانهم، يَتزوجون جميلاتهم، يَنالون جوائزهم، يُشقرون شعورهم، يُزرقون مآقيهم، يَعوجون السنتهم، ثم .. يَدعون لمقاطعتهم .. يحتاجوهم ثم يذمونهم، كمتسول متعجرف يمد يده و يقول: “حسنة .. لكن سأظل سيدك!”

فحلم تسيد الغرب يساور هؤلاء المتسرنمون في ذكريات الماضي السحيق!، أنهم يلوحون بكارت ازدراء الأديان قِبَل من يخالفهم، بيد أن كافة الرسل ما بعثوا إلا لأقوام كانوا يزدرون الأديان ويعبدون تماثيل من عجوة .. و إن جاعوا كان لهم من جثة المعبود زاد. كما كتب شاعرنا الكبير ” أحمد مطر”.

لقد بعث الله رسلاً لهداياتهم لا صواعق لإبادتهم.

إن الإسلام نزل رحمة للعالمين لا للمؤمنين فحسب.

إنها دعوة لعلاج الملحدين ومد يد العون لهم عوضاً عن ملاعنتهم وازدرائهم، فلو حدث أن أنكر بن نسبه لأبيه و تنكر لأمه، هل يقتل الأب أبناؤه أو يتبرأ منهم؟ أليس ألأفضل أن يحاول فتح باب حوار مع بنه لإقناعه أن هناك من له مصلحة في التفريق بين الأب وإبنه لمنع الإبن من الميراث وحرمان الخلف من الاستفادة من قرب الاب على سببيل المثال؟

نحن عيال الله وعباده وقد استخلفنا في الأرض وأورثنا إياها وهناك من شياطين الإنس والجن من لهم مصلحة في إبعاد الخلق عن خالقهم. حتى أن ابليس تحدى ربه:

“قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي، لئن أخرتنِ إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا” سورة الاسراء 62

 وقال أيضاً: قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين.”

 و قال كذلك: “لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين”

البناء لأصعب من الهدم والعلاج أفيد من القتل و الدعوة بالحسنى و محاولة الهداية أوجب من الازدراء و الاقصاء لا سيما أن ديننا رحمة للعالمين لا جحمة عليهم.

داليا الحديدي 
كاتبة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان