مراد حسين يكتب: ترمب نتيجة لفشل الثورات العربية

إن ازدياد شعبية اليمين المتطرف هو انعكاس لإرادة تغيير حقيقية لشعوب العالم الحر في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. يتبع

مع تزامن استقبال العالم للرئيس الجديد لأقوي قوة موجودة علي كوكب الأرض، والمتحكمة في زمام الأمور في العالم نلقي نظرة سريعة علي خريطة العالم نجد أن اليمين المتطرف يزداد قوة وانتشارا وشعبية .

إن ازدياد شعبية اليمين المتطرف هو انعكاس لإرادة تغيير حقيقية لشعوب العالم الحر في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، فبعد أن ذاق العالم الويلات ومات ملايين البشر في الحرب العالمية الثانية قادت أمريكا العالم وطبقت الديموقراطية والحرية سواء بالاختيار أو بالإجبار وانتشرت موضة حقوق الانسان والحرية في العالم كله.

مع استمرار السياسة العامة والرغبة الأمريكية لنشر مفاهيم ما بعد الحرب العالمية الثانية انتقلت هذه المفاهيم بكل وضوح لدول أوربا واليابان وبالذات التي خسرت الحرب فانتشرت الحريات وحقوق الإنسان والديموقراطية.

 وتولد لأول مرة في هذه الدول نماذج ناجحة لكيفية الوصول للاستقرار والتفاهم بين أفراد المجتمع المختلفين في التفكير والمعتقدات واللون والجنس ومع الوقت انتشرت حركة تنمية كبرى في المجتمعات الجديدة بعد الحرب كألمانيا واليابان.  

ومع انتشار التنمية في ظل وجود المناخ الحر الديموقراطي في هذه الدول جعل من الولايات المتحدة مثالا يحتذى به بالنسبة للدول التي يطلق عليها العالم الثالث.

مع مرور الوقت ومع وجود العديد من وسائل الاحتكاك بين شعوب المنطقة العربية وبين أوربا أصبح العيش في مناخ حر وديموقراطي أحد رغبات معظم الجيل الشاب في البلاد العربية، حيث إن حكم الفرد الواحد والحزب الواحد والقمع والتسلط الذي كان يحكم أوربا بعد الحرب العالمية الثانية ووجود نماذج كهتلر وموسوليني وغيرهم من الحكام الذين كانت نهايتهم هزيمة قوية وانتهي بهم الأمر لتحطم بلادهم تماما، فأصبحت شعوب هذه المنطقة وشعوب العالم تعرف نتيجة حكم الفرد الواحد وما يمكن أن تؤول إليه الأمور في وسط الظلم والتسلط وفي المقابل كانت الحرية والديموقراطية نموذجا آخر أمام أعينهم للنجاح والاستقرار للدول وشعوبها

بالتالي كان أمام جيل الشاب في هذه البلاد هذه المعطيات ومع تقدم التكنولوجيا وسهوله التواصل بين مناطق العالم المختلفة حيث أصبح العالم كأنه قرية صغيرة متواصلة مع بعضها أمكن بكل سهولة أن نتابع بكل دقة الدول المجاورة وأخبار العالم كله بل ويمكن أن تتابع بكل دقة كل التفاصيل التي تحدث في هذه البلاد.  

أمكن لجيل شاب صاعد أن يزور بلاد أوربا ويعيش بعضهم ويدرس فيها ويحتك احتكاكا مباشرا بهم  وتعلم لغاتهم كالفرنسية والإسبانية والألمانية هذه اللغات التي  يتكلمها الآن الملايين من الشباب العربي ومع تعلم اللغة تتشرب الثقافة وتتعلم طرق التفكير الحر وتقبل الآخر المختلف عنك تماما.

وفي ربيع 2011 ثارت الشعوب العربية في الشمال الأفريقي القريبة من أوربا وكان من عمادها هذا الجيل الشاب الجديد طامحا بأن تسود الحرية بلادهم وجعلوا الحرية أحد أهم المطالب الأساسية لهذه الشعوب .

كانت فكرة أن يتجمع الناس في مكان ما في بلدهم وأن يكونوا سلميين ويرفضون القهر والديكتاتورية ويرفضون الظلم ويطالبون برحيل نظام الفرد الواحد إلي أن يحدث حالة من الشلل التام في البلاد فيؤدي إلي إجبار الحاكم للسماع لهم والتحاور معهم إلي أن تنفذ مطالبهم أو بعض منها، كانت هذه الفكرة ملهمة بل لقد ألهم ذلك بعض الحركات الشبابية في البلاد التي تسود فيها الحرية منها حركة وول ستريت والتي كانت تدعو للاعتصام في الشارع الشهير وغيرها من الحركات التي انتشرت في كل أوربا.

فرحت معظم شعوب المنطقة العربية ومعهم قطاع عريض جدا من شعوب أوربا والشعوب التي تحكم بالحرية والديموقراطية وأحسوا بأنهم يمشون علي نفس نهجهم وبأن الحرية ستسود قطاعا أعرض من العالم.

مع مرور فترة قصيرة إنهزمت فيها هذه الثورات وتلقت ضربات مبرحة من النظم السابقة ومؤيديها واكتشف هؤلاء الراغبون في الحرية والديموقراطية صعوبة تطبيق ذلك مرة واحدة في شعوب تعودت وتأقلمت لسنوات طويلة على الديكتاتورية والقهر والبطش.

استمر دفاع هؤلاء الشباب ومعهم قطاع عريض من المؤيدين لهم والراغبين في الحرية من هذه الشعوب إلى أن انتهي الحال بهم إلى مصير في قمة الصعوبة، والسوء فبعضهم اعتقل وبعضهم مطارد خارج بلاده والآخرون ما بين مصاب وميت.

ونتيجة فشل ثورات الربيع العربي حدث زلزل قوي في المنطقة العربية وفي شعوب العالم الحر أجمع.  

أصبحت الشعوب التي لم تصل لها الثورات ترضي أكثر بحكم الفرد الواحد وتتفنن في ذكر مميزات رغد العيش مع تقبل الديكتاتورية والبطش والقهر.

اختفت الحركات الشبابية التي كانت انتشرت في العالم بعد الثورات العربية وبالطبع كان التأثير رهيبا في البلاد التي فشلت فيها هذه الثورات فلقد تم تطويع هذه الشعوب بالإكراه وبالديكتاتورية وعاد حكم الفرد الأوحد ليسود.

صمتت هذه الشعوب أو حاولت محاولات ضعيفة انتهت بالاستسلام والانطواء لحكم القوة والبطش والديكتاتورية.

أصبحت القوة تسود في المنطقة العربية وانتشرت حروب في بلدان هذه المنطقة وأصبح مجرد ذكر ألفاظ كالحرية والديموقراطية من درب الخيال.

ومع استمرار ذلك ومع اضطرار قطاع عريض من شعوب المنطقة للهروب من الحروب ومما آلت إليه الأوضاع أصبحت هناك شكوك قوية في الثمن الذي دفعوه من أجل أن يكون مصيرهم هكذا وتمني الكثيرون أن ترجع الأوضاع كما كانت قبل الثورات وكان الرضا بالقوة والبطش هو المزاج العام السائد.  

نتيجة لذلك ولأن العالم قرية صغيرة ولأن الدول الحرة استقبلت الملايين من أبناء الشعوب العربية التي ثارت من أجل الحرية فوجدت هذه الشعوب نفسها تدفع الثمن معهم فاستقبال ملايين اللاجئين لم يكن يعني إلا ضغوطا قوية على شعوب أوربا التي استقبلتهم ووجدت هذه الشعوب الأوربية نفسها تحت هذه الضغوط ومع ذلك لم تنجح الثورات العربية ولم تكمل الشعوب ثوراتها بل تحولت للاجئين عندهم في بلادهم.

ساعد ذلك في انتشار أفكار اليمين المتطرف الداعمة للبطش والقهر وهي المضادة لتقبل كل الآراء الحرة وهي ضد الإنسانية في كثير منها.

جاءت الانتخابات في تلك البلاد لتعكس في مؤشر هام للغاية تغير المزاج العام لشعوب العالم الحر لتقبل بكثير من الاعتداء على الحريات ولتقبل الداعمين للعنصرية وفاز المرشحون الداعون لاستخدام القوة والبطش حتي أن أحدهم قد دعا في واحدة من أغرب وأسوأ التصريحات لبناء سور أو سياج حول حدود بلادهم لمنع دخول مهاجرين إليها.  

ان انعكاسات فوز ترمب الأمريكي العنصري والأغلبية التي حاز عليها ستتبعها في الفترة المقبلة فوز لكثير من عناصر اليمين المتطرف في المزيد من بلاد العالم الحر.

 وستزيد معها رغبات تلك الشعوب في مزيد من الاتجاه نحو البطش والقوة خارجيا مع الآخرين طالما ذلك لم يؤثر عليهم وسيتبع ذلك موافقة علي بطش وقمع سيحدث تدريجيا داخليا.

فالعالم الآن يتجه تدريجيا نحو نموذج للحكم مختلط ما بين مزيد الديكتاتورية المختلطة ببعض الديموقراطية.

وسنشهد مع بعض التأثير الإعلامي تغير كبير لهذه الشعوب الحرة نحو مزيد من العنف والحروب  لأن المزاج العام للشعوب سيريد ذلك قريبا.

مراد حسين
كاتب ومدون مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان