انظر كيف يَقلب الخائنون الأمور، ويرمون الخلصاء بفحشائهم وجرائمهم، ويحاولون أن ينسلوا من حقيقة واقعهم في جنح من مكائد الخيانة! يتبع

تفسير الظواهر الاجتماعية، وتحليل الأحداث، وإصدار الأحكام والتوقعات على أفعال الساسة وقراراتهم وظيفة كبيرة، ومهمة خطيرة، تحتاج ممن ينبري لذلك -على الأقل- إلى ملكات نفسية محصّنة من أمراض القلوب وأهواء النفوس، وقدرات علمية نزيهة بعيدة عن الضغوطات والأطماع، ومهارات مهنية عميقة، تجمع بين فهم الواقع، والاتعاظ بالتاريخ، واستشراف المستقبل.
وقد لوحظ أن بعض المتابعين لتحليلات الأحداث، وقعوا ضحية أكاذيب مضللة وافتراءات متعمدة، تقوم على صناعتها أجهزة إعلامية رخيصة، ارتضت أن تكون مهمتها قلب الحقائق، ودحض الحق، وتزيين الباطل، وتبرير الفجور، فيجعلون من الحبة قبة، ومن فأر البرية فيلاً، مستعينين في ذلك بأقلام ممالقة وأبواق حاقدة، زُيلت بالألقاب البراقة، والمناصب اللامعة؛ يستبيحون لأنفسهم بخس جهود المخلصين، وطمس معالم المصلحين، في مقابل تلميع بهتان وزور، فاحت سمومهما، ورفع خسيسة فشلٍ محتوم، على أثر أَفْشال متتالية.
وفي هذا المقال نعرض لبعضٍ من الآيات القرآنية، تبين العاقبة الربانية لجرائم تاريخية تتشابه -تماماً-مع ما يقوم بتبريره المحللون المأجورون، أو يزينه الإعلاميون المزورون، أو يتغافل عنه العلماء الضالون، أو يتناقله بعض العامة التائهين؛ وذلك حتى يزداد الصامدون على الحق ثباتاً واطمئناناً، ويهتدي الحيارى المشوشون، ويعلم المجرمون وأعوانهم أي منقلب سينقلبون.
وأول هذه الجرائم وأقبحها: الخيانة بجميع صورها، فقد بين الله تعالى أن عاقبة الخائنين -دائماً-هي الفضيحة والخزي في الدنيا، والانتكاسة والفشل على الملأ، فكيدهم عارٍ مفضوح، وإن أجمعوا على أن يُسِروا به، ومكرهم سهامٌ مرتدة في نحورهم، وإن طال أمده، واستحكمت حلقاته. يقول تعالى: “وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ”.(يوسف،52).
وعجيب ما في أمر الخيانة المذكورة في هذه الآية، أنها وقعت على أرض مصر، وفي أحد قصورها، وكان من كيدها الموصوف بأنه عظيم: تلفيق تهمة الخيانة بالكريم ابن الكريم(يوسف الصديق)، وعقابه على أمانته وعفته ونزاهته بأن يُلقى في غيابات السجن لبضع سنين، في مقابل أن تبقى صاحبة الخيانة والكيد العظيم، ملكة منعمة بالدثور في القصور.
وانظر كيف يَقلب الخائنون الأمور، ويرمون الخلصاء بفحشائهم وجرائمهم، ويحاولون أن ينسلوا من حقيقة واقعهم في جنح من مكائد الخيانة! ولكن هيهات للخائن الماكر أن ينجوا بخيانته، أو أن يهنأ بمكره وكيده، فحُكم الله النافذ فيهم، أنهم مفضوحون ولو بعد حين، وأن لواء غدرتهم معقود على رؤوسهم يوماً ما ليشهده العالمون.
وأشد ما يُعاقب به الخائنون: أن كيدهم المهين يُقابل بكيد الله المتين؛ نصرة لأوليائه. ويكون ذلك، أولاً: بنزع الهداية والتوفيق من أعمال الخائنين. وثانياً: بجعل عاقبتهم على نقيض ما يكيدون ويدبرون، فإن كان كيدهم هو إرادة المضرة بالغير خفية واستسراراً، سلّم الله الغير من شرهم على الملأ علناً وافتخاراً، وجعل فضيحتهم نهاراً جهاراً. وإن كانت إرادتهم هو إيقاع المكروه بالغير قهراً وإذلالاً، جعل الله الغير فوقهم عزيزاً مقداراً.
يقول ابن الهيثم في كتابه(الزواجر):”لا يرشد الله كيد من خان، ويحرمه الهداية في الدنيا، ويفضحه على رؤوس الأشهاد في العقبى.” ولقد أبدع ابن القيم في كتابه(إعلام الموقعين) عندما لخص هذه الإرادة الربانية في الخائنين الغادرين، فيقول واصفاً عاقبة يوسف الصديق الكريم: “فكاد الله له أحسن كيدٍ وألطفه وأعدله، بأن جمع بينه وبين أخيه، وأخرجه مِن أيدي إخوته بغير اختيارهم، كما أخرجوا يوسف مِن يد أبيه بغير اختياره، وكاد له عوض كيد المرأة بأن أخرجه مِن ضيق السِّجن إلى فضاء الملك، ومكَّنه في الأرض يتبوَّأ منها حيث يشاء، وكاد له في تصديق النِّسوة اللَّاتي كذَّبنه وراودنه حتى شهدن ببراءته وعفَّته، وكاد له في تكذيب امرأة العزيز لنفسها، واعترافها بأنَّها هي التي راودته، وأنَّه مِن الصَّادقين، فهذه عاقبة مَن صبر على كيد الكائد له بغيًا وعُدْوَانًا”.
فهل بعد هذا الحكم الإلهي في الخائن الكائد، يمكن لمخادع مغمور أو مخمور، أن يجعل الخائن أميناً مطاعاً، أو أن يزعم لعهده أمناً واستقراراً، أو لفعله وتدبيره توفيقا وازدهاراً؟. كيف؟ وكل يوم يمر بخيانتهم فيه تصديق حكم الله فيهم! تارة بتسريبات متعاقبة، تفضح سرائرهم السقيمة، وتكشف خيانتهم المسمومة، بأصواتٍ عندما أنكروها محلياً، جاء التأكيد من الخبراء عالمياً، ثم الفضيحة تلو الأخرى في زيارات أرادوها رفعةً ومفخرة، فكانت مهزلةً ومسخرة، وفي مشروعات أعلنوها إنجازاً وتقدماً، فكانت فشلاً وتهكماً، ومجالاً للترفيه والفكاهات، في زمن شحت فيه الابتسامة، وكثرت فيه الأحزان؛ وما ذلك إلا من بعض كيد الله بهم.
وأما عن حرمان الخائن من توفيق الله، فانظر إلى: تلعثم لسانه، وحملقة عينيه، واضطراب قوله، ومناقضة نفسه، وكثرة حلفه ووعوده، ونسيان حقيقة نفسه، وحيرته وتخبطه، وتردده وتبعيته، ورفقة السوء والمنافقين من حوله، وتشككه وريبته… وغيرها من موارد الفشل وعلامات الخزي، وحرمان التوفيق. ألا فليدرك أصحاب الأقلام المسمومة عمن ينافحون، وليحذر أتباع الخائنين وسحرة الماكرين من كيد الله بالخائنين وأعوانهم.
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
