تلك التي لا تتوسط العقد

قبلت رأس أمي ويدها، ووضعت سترتي، ورابطة عنقي، وأحسنت كي قمصي وتلميع حذائي، ولففت أوراق سيرتي المهنية، وأخذتها لأذهب في مسيرة أخرى من تلك التي تتواصل بلا جدوى.. يتبع.

قبلت رأس أمي ويدها، ووضعت سترتي، ورابطة عنقي، وأحسنت كي قمصي وتلميع حذائي، ولففت أوراق سيرتي المهنية، وأخذتها لأذهب في مسيرة أخرى من تلك التي تتواصل بلا جدوى.

وتكاد نظرات أمي للسماء ووجهها الذي يكسوه الأمل والرجاء والمليء بالحزن في نفس الوقت يقطع قلب الناظر إليه، ينفطر قلبي، ليس لحالي الذي لم يتكلل بالنجاح غير مرة في الحصول على ما أريد من وظيفة، وإنما لحال أمي التي بدت كالتي تكتم في نفسها ما الله مبديه من حزن وألم على حال ابنها.

مقابلة من ورائها مقابلة، ومن ورائها مقابلة، تكاد آمالك التي عانقت السحب أن تأخذك إلى أحد شوارع تلك المدينة صارخا فرحا مستأنسا بما وصلت إليه من إنجاز عبقري في تخطي كل حواجز الممتحنين، راضيا تماما بما قسم الله لك من توفيق، تتحرك سريعا لتخبر أمك بما وصلت إليه من إنجاز لتفرحها، لعل الله يبدلها بعد خوفها أمنا، وينزل عليها رداء الفرح والسرور بعد أن ضربت على وجهها كساء الحزن والآسى، تخبرها وتفرحها بأنك اجتزت المقابلة الثالثة، وما بقيت إلا مقابلة واحدة قريبا، يتحدد فيها إن شاء الله العاملون من القاعدين، يغادر فيها الكفء دكة الاحتياط وينزل إلى الملعب ليدلي بدلوه، ويبدع بما أعطاه الله من علم وفكر وقدرة، هكذا هي الأحلام في الأيام المشمسة!
وكعادتي تجهزت ودعوات أمي تمهد لي الطريق ويعلو وجهها الفرح والأمل، فابنها كان أفضل المتقدمين والحائز على أعلى درجات بين الطالبين، فرصته هي الأكبر ونجاحه هو الأضمن، كان الله في عونك يا بني.

وصلت إلى مقر الشركة، وقابلت الممتحنين الذين قابلوني بوجوه عابسة ظننت أنهم اعتادوا أن يبرزوها ليثيروا القلق. جلست وأنا أول الحاضرين في صالة الانتظار، وقد ضاعت هيبة المكان في ثلاث مقابلات سبقت، وكلي أمل وفرحة، وجهي يعلوه الفأل والأمل. وبينما أنا على هذه الحال، إذ تأتي أولى الصدمات: فتاة جميلة المظهر، حسنة الخلقة، رديئة الحشمة، كنت قد رأيتها في أول مقابلة تجلس في صالة الانتظار نفسها؛ فقلت في نفسي لم أرها في الناجحين، وليست من المختارين في الثانية ولا في الثالثة، لعلهم أخطأوا أو لعل أحد الناجحين اعتذر فقدموها هي لتأخذ مكانه. “ما علينا” هكذا قلت في نفسي، لعلي كنت من المخطئين، ولم نلبث إلا يسيرا حتى عاجلتني الصدمات الثانية والثالثة: شابان لا يبدو عليهم أثر التعب ولا المشقة، تتعالى ضحكاتهما في الردهة، وكأنهما في ثقة زائدة من الفوز بأحد الشواغر الثلاثة، ولا يظهر عليهما أي نوع من الجد، كانا خليطا ذكيا من السذاجة والهزل واللعب، لا يبدو عليهام أي خوف ولا قلق ولم أر أي واحد منهم في أية مقابلة سبقت، تملكني الخوف من شيء في نفسي كان الله به عليما، ولولا ثقتي في أن الله سيرزقني من حيث لا أحتسب وثقتي في أن رزقي لن يأخذه غيري، لما اطمأن قلبي.
دخلنا نحن الأربعة دفعة واحدة على الممتحنين الستة لنتنافس على ثلاثة كراس، ومن هنا ستتطور الأحداث سريعا، بدأ الممتحنون بإلقاء الأسئلة على الثلاثة مع تجاوز ترتيب الجلوس أو ترتيب الأبجديات لأكون أخر المعروضين على لجنة الممتحنين.
كانت الأسئلة التي تلقى على الثلاثة بسيطة إلى غاية الضحك، ففي مجالي هذه أشياء تعرفها بالضرورة وإلا فإنك لم تسمع عن هذا المجال في الأصل، وهذا ما تم سؤالهم فيه، وكانت إجاباتهم أبسط من السؤال، وكان الممتحنون يضيفون لهم بعض الكلمات ويلقنونهم كالذي يلقن الطفل كيف يقرأ، وعندما تنتهي إجابتهم المختلطة بتحرير الممتحنين وتلقينهم يتعالى التصفيق ويرتسم الفرح والإبتسام على وجوه الممتحنين، حتى جاء دوري، ثم سألوني سؤال واحدا، يعلم الجميع أنه ليس سؤالا سهلا فقد كان سؤالا دقيقا جدا، غائرا في تفاصيل العلم الذي أعطاه الله لنا، ورغم هذا أجبته بثبات تام، ورغم طول الإجابة التي أخذت ما يزيد على خمس دقائق، ومدى توغلها الذي جعلني أحس حينها بأن رأسي يكاد ينفجر من شدة التفكير، لكني أجبته والحمد لله إجابة صحيحة كاملة لم يقاطعني فيها أحد منهم.
وسريعا أخبرونا أنه من اجتاز منا المقابلة سيحدثونه عبر الهاتف، ولموا أوراقهم، ورفعت الجلسة، في مشهد لم ولن يحدث أسرع منه في حياتي! ولكني تمالكت نفسي وأخذت حقيبتي وخرجنا جميعنا، وما زالت الضحكات تعلوا من الصاخبين،ومرآة الجمال تكذب على صاحبتها وتخبرها “ليس في الدنيا أجمل منك” وفي نفسي أقول إلا سندريلا ^_^.
دخلت دورة المياه لأغسل وجهي وقد احمر وعلاه العرق، وفتحت الصنبور ونزل الماء واستوى على وجهي برشة سريعة، ونظرت أمامي: وجههي قد ابتل و أفكاري قد تبعثرت، وإذا بأحد الممتحنين من خافي يقول ” لا تتعب نفسك يا….إنهم أبناء الكبار” !!
تلك الصدمة الرابعة والقاضية، وقد اختلطت أفكاري واصطدمت ببعضها قبل أن ألتف ورائي لألحق المتكلم، لكنه بالفعل أغلق الباب، وغادر.
خرجت غضبان آسفا، راحت عني كل تلك الفرحة التي كانت تعتريني قبل أن أدخل مقر هذه الشركة، أتحرك ولا أكاد أرى أمامي شيئا، ركبت بغلتي وعدت سريعا إلى بيتي وفي نفسي شيء واحد: كيف أواجه أمي المسكينة!
لن أخبركم بما حدث بعد ذلك، فلعلكم عرفتم، كنت قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى مبتغاي، ولكنها الواسطة، نعم تلك التي لا تتوسط العقد.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان