لقد استحق هذا الفرعوني الهالك بهذه الاعتداءات على الضروريات الخمس أن يكون رمزاً للمفسدين، ونموذجاً في بيان عاقبة كل من سلك طريق الإفساد على مدار التاريخ.. يتبع.

الجريمة الثانية: الإفساد، وهو الاعتداء على الضروريات الخمس أو واحدة منها: (الدين والنفس والعقل والنسل والمال). يقول الغزالي في كتابه (المستصفى):”فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة”.
وهذا النوع من الإفساد هو الذي أكد الله تعالى أنه لا يصلح عمل صُنّاعِه والقائمين به، وذلك في قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ”(يونس،81).
وعجيب ما في هذه الآية -أيضاً- أنها تتحدث عن المفسدين من فراعنة مصر وأعوانهم، وذلك بأرض مصر، وفي أحد قصورها. فلقد اعتدى الفرعون الغابر يومها على الضروريات الخمس للأفراد والمجتمع جميعا، على حرمة الدين وحرية الاختيار فيه، وذلك بزعمه أنه الإله الأوحد.
وكان حكمه البربري بقتل الأبناء واستحياء النساء جُرأة لا مثيل لها على حرمة النفس والنسل معاً، ثم كان استخفافه بقومه واستحقارهم وإشاعة السحر والشعوذة فيهم اعتداءً سافراً على حرمة العقل وحريته في الإبداع والاختيار، ولا يخفى ما ادّعاه هذا الفرعون الغارق من أحقيته المطلقة في ملك مصر وأملاكها وأنهارها وخيراتها مستنكراً ملكية الأفراد وحقهم في خيرات بلادهم؛ وفي ذلك اعتداء آخر على الأموال.
لقد استحق هذا الفرعوني الهالك بهذه الاعتداءات على الضروريات الخمس أن يكون رمزاً للمفسدين، ونموذجاً في بيان عاقبة كل من سلك طريق الإفساد على مدار التاريخ، ولعل هذا هو السبب في أن وصف الإفساد في القرآن لم ينسب لفرد على التحديد إلا لهذا الفرعوني المصري. يقول تعالى عنه: “إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ”(القصص،4) ويقول أيضاً: “وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ” (يونس،91)؛ وذلك لأن ما قام به من فساد -وحده- تجاوز فساد أمم، ربما لم يتجاوز فسادها واحدة من الكليات الخمس، ولم تجرؤ أن تتعد في إفسادها الحرمات الخمس مجتمعة.
ولبشاعة هذا النوع من الفساد وشراسة القائمين به، فقد توعد الله تعالى أن يعاقبهم من جنس جريمتهم؛ وذلك بإفساد أعمالهم ورفع الصلاح عنها؛ وذلك من أشد العقوبات الربانية وأقصاها، ندرك فظاعتها عند معرفة المقصود من عدم إصلاح العمل في قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ” فهو يفيد الآتي:
– أن أعمالهم في الإفساد لا تحقق هدفها، بل تعود عليهم حسرة وإيلاماً. مثال ذلك: لما قتل فرعون الأبناء، أخرج الله له موسى من قصره، ولما جمع السحرة لإضلال الناس في يوم الزينة، ولإبطال ما جاء به موسى الأمين، انقلب السحرة لله ساجدين وبموسى مؤمنين، ولما اتبع بجنده المدججين موسى ومن معه، أنجى الله رسوله وأغرق فرعون وجنده.
– أن الله لا يصلح ما عساه أن يكون خيراً من أعمالهم. ألا ترى صرخة فرعون عندما أُحيط به: “آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ”(يونس،90). فلم يصلح الله له قوله، يقول سبحانه: “آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ” (يونس،91).
– أن الله لا يسمح لهم بفرصة توبة في صلاح أو إصلاح لما أفسدوه، إنما يجعل آخرتهم عبرة وآية، وذلك لشدة فسادهم واتساع أثره في الأرض. يقول تعالى: “فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ” (يونس،92).
هذا، ومازالت مصر تتجرع نفس الفساد الفرعوني، ولكن على يد فرعون آخر، أفسد بجنده فساداً لا يقل عما قام به فرعون الأول، فقد اعتدى على الضروريات الخمس المحفوظة بأمر الله، فادعى أنه مسئول عن دين الناس، ودعا لثورة على نصوص الدين؟ وكمم أفواه الدعاة المصلحين، وأطلق العنان للمنافقين والمستأجرين، وقام بتجميد منابع حفظ دين الناس وتجفيفها، ونادى بدعم الإلحاد علناً؟ في اعتداء سافر على الدين وحرمته.
أما اعتداؤه على النفس المحرمة، فقد قتل بكل أنواع القتل من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ من كل مخالف معارض. وأما جرأته على النسل والأعراض، فكم من امرأة حرة عفيفة اغتصبت! وكم من صغار مُحيت بسمتهم وشرد مستقبلهم! وكم من فاحشة أُعلن بها ورذيلة دُوفع عنها! أما أموال الكرماء الأطهار، فمصيرها المصادرة والسلب ظلماً وبهتاناً. ألم يعتد على عقول الناس بتسخير أجهزة الافتراء والكذب لتزيف الحقائق، وتضلل الرأي الرشيد، وتجعل الحليم حيراناً مضطرباً؟.
أما وقد تحقق الفساد فيهم، فلن ينفعهم إذاً شفاعة محلل مرتزق مستأجر، ولا تلميع منافقٍ مضللٍ، فهم محاصرون بنفس ما حلّ بأربابهم الأقدمين من وعيد الله في المفسدين، أعمالهم تنقلب عليهم حسرة ووبالا، ثم لا يجدون باباً لعودة، أو مفراً إلى توبة؛ فاستشراء فسادهم سد عليهم كل منفذ لصلاح مفسدة أو للشروع فيما يمكن أن يكون مصلحة. يقول السعدي في تفسيره:(وهكذا كل مفسد عمل عملاً، واحتال كيدًا، أو أتى بمكر، فإن عمله سيبطل ويضمحل، وإن حصل لعمله روجان في وقت ما، فإن مآله الاضمحلال والمحق).
الجريمة الثالثة: الظلم، وهو أداة كل خائن يخشى عاقبة غدرته، ووسيلة كل مفسد لتظليل مفسدته. وحقيقته: وضع الشيء في غير موضعه، وغالباً ما يكون باستغلال القوى الثلاث، أو واحدة منها:(المال-السلطان-السلاح). ولقد حكم الله على الظالمين بالخسران، ونفي الفلاح عنهم. يقول تعالى: “إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ”(يوسف،23) و (القصص،37).
والموضعان يشيران -أيضاً- إلى ظلم وقع على أرض مصر، إذ وضعت الأشياء في غير موضعها، فيوسف الكريم يوضع في السجن، والملكة الخائنة في القصر، وفرعون التافه المتسلط، يتحدث في أمر العامة، ويدعي الألوهية، وموسى النبي ومن معه من الشرفاء المصلحين تُقيد حريتهم ويُضطهدون… وغير ذلك من أشكال الظلم، ولكن رغم تمكن الظالمين من وضع الأشياء في غير موضعها بقهرهم وطغيانهم، فهم محرمون من نعمة الفلاح، والتي من أهم معانيها ما يذكره ابن منظور في كتابه(لسان العرب) إذ يقول: “الفلاح هو الفوز بما يُغتبط به وفيه صلاح الحال، والنجاة والبقاء في النعيم والخير.” وما أصدق الله أحكم الحاكمين! نعم، فلم يفز فرعون إلا بتخليد اسمه في صدارة سجل المفسدين الظالمين على مدار التاريخ، ولم يبق منه إلا جسداً آسناً، يشهد لآية الله في أخذ الظالمين، فلا مَلِكٌ بقي، ولا مُلْكاً أبقى. وكأني بامرأة العزيز التي ظلمت يوسف الصديق، تقف منكسة الرأس منهزمة الطوية، لا تجد مناصاً إلا أن تعترف على نفسها، ويوسف المظلوم يخرج من سجنه رافع الجبين، عالي الشكيمة، يُستقبل استقبال المنتصر ليجلس على كرسي العرش.
فماذا ينتظر الممالقون من مداهنة الظالمين؟ وما ظن المنخدعين بظُلّام العصر؟ ألم يروهم يحذون حذو الظالمين الخاسرين، فقد وضعوا الخائنين المفسدين مكان الأمناء المصلحين؟ وأجلسوا السارق المرتشي مكان القاضي الحكيم؟ ألم يستبدلوا الجناة والمجرمين بالعلماء والشرفاء في زنزانات السجون والمعتقلات؟ ألم يمكنوا الأفّاكين الكاذبين من آذان الناس وعقولهم؟.
أنهم -حقاً- الظالمون، وإن خرجوا على قومهم في زينتهم، فرحين مشدوهين، فإن شؤم الظلم وآهات المظلومين، تملأ قلوبهم وهيجاً ولهيبا وسعيراً، لا يُصرِّح به إلا الظالمون لبعضهم، يقول تعالى عن فرعون وهو يصف للملأ من حوله حقيقة ما يعانيه بسبب القلة المستضعفة: “فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ”(الشعراء، 53:59) فلا طمأنينة في النفوس، ولا صلاح للحال، ولا بقاء للنعيم.
هذا هو الفشل الحقيقي أيها المحللون المأجورون، هذا هو مآل الخيانة التي لها تبررون، هذه هي عاقبة الإفساد الذي عنه تنافحون، هذه هي حقيقة الظالمين الذين لهم تساندون. ويكفيهم ومدعي محبتهم أن الله لا يحبهم، ومن ذا الذي يحب من لا يحبه الله! “إن الله لا يحب الخائنين” “إن الله لا يحب المفسدين” إن الله لا يحب الظالمين”.
ألا، فليطمئن الصابرون الصامدون من الثائرين ضد الخائنين المفسدين الظالمين إلى وعد الله، وإنه والله لقريب من المتقين الموقنين.
صدق الله، وكذب المستأجرون الأفاكون من الإعلاميين والمحللين.
دكتور بسيوني نحيلة
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة قطر
للإطلاه
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
