محمد سعيد يكتب: مرحلة ما بعد تنظيم الإخوان

لا يوجد في التاريخ تنظيم ما، أو دولة ما، أو كيان ما، سياسي، اجتماعي، اقتصادي، أو حتى دعوي، يستمر لفترات طويلة دون أن ينتهي يوما ما، ينشأ ويكبر ثم يخفت وينتهي. يتبع

لا يوجد في التاريخ تنظيم ما، أو دولة ما، أو  كيان ما، سياسي، اجتماعي، اقتصادي، أو حتى دعوي، يستمر  لفترات طويلة دون أن  ينتهي يوما ما، ينشأ ويكبر ثم يخفت وينتهي، سنة كونية، ربما تستمر الفكرة الأساسية التي انبنت عليها هذه الكيانات، ولكن التنظيم نفسه، هيكله، سينتهي، ويبنى على أثره تنظيم جديد.

هكذا تنظيم الإخوان المسلمون، سينتهي “أو يمكن القول بأنه فعليا انتهى”، التنظيمات والدول، في العادة تستمد قوتها، من قدرتها على الفعل، وإنفاذ خططها ومشاريعها، وقدرتها على مواجهة منافسيها، وأعدائها، وقدرتها على تعطيل أو إفشال مناوئيها، وقدرتها على مد جسور وبناء علاقات متوازنة مع الأطراف الفاعلة داخليا وخارجيا، و”تنظيم” الإخوان الآن بات عاجزا بالفعل، ولم يعد ممسكا بأي شيء من خيوط القوة.

عوامل الضعف دبت في “التنظيم”، إما لأسباب راجعة إليه، أو لقوة وغلبة منافسيه وأعدائه، لا ضير أن يقول “التنظيم”: “لقد هزمنا”، الهزيمة ليست عيبا، ولكن نكران الهزيمة كارثة، الهزيمة هنا ليست للمشروع بل لـ”التنظيم”، التنظيم بشري، تتحكم فيه قواعد ثابتة لا تتغير، قوانين السياسة والقوة هي الأساس.

وهنا يجب على من يريد أن يخرج “التنظيم” من كبوته، أن يعالج ما بناه السابقون، كـ”الشيفونية” الإخوانية مثلا ، بأنهم الأرقى، والأسمى، والأفضل، والأقوى، ليس “التنظيم” محور الكون، هو رقم في المعادلة، ولكنه ليس العنصر الرئيس، ولكي يكون رقما صعبا في المعادلة لا يمكن تجاوزه، يجب أن يكون ممتلكا لأدوات القوة “بكل أنواعها”.

 على من يتصدر  لتقويم هذا “التنظيم”، أن يكون  متخصصا في بناء التشكيلات الإنسانية والاجتماعية، ويقع على عاتقه إعادة بناء الشخصية السنية “وليس الشخصية التنظيمية الإخوانية”، شخصية، مؤمنة متزنة، “التنظيم” فيها وسيلة، “تنظيم” ليس “شموليا” كـ”الدين”، فيختلط عليه الدين “الشامل” بالتنظيم “الوظيفي”.

على من يفكر بالمستقبل، أن يعيد صياغة هذا “التنظيم”، ويحدد هويته، فهل هو  بناء سياسي، أم اقتصادي، أم دعوي، أو جماعة ضغط، أو  رافد مجتمعي، أم حاضنة شعبية للتيارات الوطنية والإسلامية، أمّا أن يكون كل شيء، فسينهار

على من يفكر بالمستقبل، أن يعيد صياغة هذا “التنظيم”، ويحدد هويته، فهل هو  بناء سياسي، أم اقتصادي، أم دعوي، أو جماعة ضغط، أو  رافد مجتمعي، أم حاضنة شعبية للتيارات الوطنية والإسلامية، أمّا أن يكون كل شيء، فسينهار،  فالدعوة ستنافس آخرين في مجال السياسة، كما حدث عقب يناير 2011، بعدما نافس “التنظيم” الجميع على السلطة وسحقهم بالفعل، فخسروا كثيرين “بغض النظر  عن طبيعة منافسيهم سواء الذين حرضوا ضدها أو وقفوا بجانبها”.

ليس في كل الأوقات يكون الافتراق خسارة، أو مناقضا للوحدة، حتى في وقت الملمات، أن يمهد العشرات طرقا متعددة أفضل من يتحد الجميع لتمهيد طريق واحد، فإذا دمره العدو ينتهي كل شيء،  سلطات الحكم العسكري تعودت على خطط وأفكار التيارات والجماعات الكلاسيكية التقليدية، إخوان ليبراليين يساريين، وربما بات العمل بنظام وطرق مختلفة هو الأنجع، تيار ضخم بلا تأثير هو والعدم سواء، ومستقبلا سينفض عنه مؤيدوه ومنتسبوه.

هناك مراحل وسيطة بالتأكيد بين تحلل التيارات  الكلاسيكية وإعادة تشكلها في أشكال مختلفة، وبين تشكل أخرى أكثر نضجا وفهما، ربما نحن في مرحلة وسطية، أو على الأقل في بدايتها، عشوائية، غير منظمة، متشبثة، أو على الأقل غير قادرة على البعد عن طبيعة الكيانات التقليدية، وستتعثر  وربما تفشل، ولكن الاستمرار سينتج تشكيلات أكثر  وعيا.

على من يريد بناء مستقبل أفضل، أن يفكر في مرحلة ما بعد التيارات التقليدية، وفي الأساس منها تنظيم “الإخوان”، وهذا ربما يمكن بناؤه في خمس سنوات، الأمر  صعب، ولكنه ليس مستحيلا، الأسهل هو ترميم و”تنكيس” المباني المتهالكة، ولكنها في النهاية تنهار، بعيد النظر  هو من يوفر سكنا مؤقتا للأهالي، ومن ثم يشرع في بناء مبان متعددة متماسكة، على طراز حديث، مقاومة للهزات، والسيول، والعواصف، وفي أعلاها مقاوم للصواعق.

صحفي ومدون مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان