في غربته وفى لحظة من لحظات السكون وفي وقت غروب شمس يوم من أيام الهجرة عن الموطن الحزين وبينما يحتسى قهوته العربية المرة جاشت في خاطره قصة رحيله. يتبع
في غربته وفى لحظة من لحظات السكون وفي وقت غروب شمس يوم من أيام الهجرة عن الموطن الحزين وبينما يحتسى قهوته العربية المرة جاش خاطره بقصة رحيله ورحيل عائلته عن جنوب رفح بسيناء المصرية وما تحتوي هذه القصة من مرارة الظلم ولوعات القهر وغدر القريب قبل البعيد.
كان يعيش هذا الشاب العشريني مع أسرته أبيه وأمه وأخوته وجدته في بيتين داخل مزرعة كبيرة يقتاتون من بعض الغنيمات منها ويدرءون بها عن أنفسهم الحاجة إلى الناس…. وكانت اسره مستقرة الحال وتعيش بجانب أقربائها وجيرانها في سلام وأمان وهناء يطمحون إلى مستقبل مزهر لهم ولأبنائهم.
كان الوضع العام يشير إلى أن هناك حدثا عظيما سيقع على هذه الأرض فهناك إهمال أمنى وتنموي وإصلاحي لجميع مناحي حياة هذه البقعة من أرض مصر “سيناء” وبالتحديد موطني وتواجد قبيلتي في مدينتي الشيخ زويد ورفح وجنوبهما .
بدأت الحرب على هذه البقعة في عام 2013 وزاد جحيمها في عام 2014 اشتباكات وقطع طرق وكمائن في كل مكان أكثر من 76 كمينا في المدينتين وجنوبهما.
وحظر تجول مستمر وإغلاق للطرق وتضييق على الناس معايشهم، وفجأة زادت حدة الحرب وبدأت كمائن الجيش المنتشرة بإطلاق القذائف العشوائية على البيوت ليلا ونهارا، تصبح بيوت لا تمسي وتمسي أخرى ولا تصبح، استدرك الشاب وأهله الأمر الجلل وقرروا أن يرحلوا عن أرضهم تاركين وراءهم إرث أجدادهم الجغرافي والتاريخي إلى ديار فارغة صحراوية قاحلة يلفحهم فيها رياحها وصقيعها وحرها ورمضاؤها بدون مأوى سوى سماء الله وأرضه يجوعون ويعطشون ويمرضون ولا يجدون لهم نصيرا تركوا وراءهم ذكريات أرضا فرغت من سكانها وجفت ينابيع ماءها وماتت أشجارها وذبلت أزهارها وحرب كل يوم تستعر حمم لهيبها والخاسر الوحيد هم أهلها الأصليون -أبناء القبائل- الذين دفعوا الثمن غاليا حيث قتل منهم ما يقارب ال5000 شخص واعتقل ما يقارب 9000 شخص وهجر ما يقارب 70 ألف نسمة عن أرضهم وديارهم وجُـرِفت مزارع التين والزيتون والخوخ واللوز والبرتقال والماندرين.
ظلم يتلوه ظلم، أراد هذا الشاب أن يساعد عائلته ففكر في السفر إلى الخارج ليؤمن لأهله مأكلا ومشربا ومسكن أدمية ، بدل ما ضيقتها عليهم روتينيات ودهاليز الحكومة المصرية الجائرة، كل هذا في ناحية والملف الأمني في ناحية أخرى لأن هذا الشاب ابن جنوب رفح وابن إحدى القبائل الصامدة على جور الزمان وأهله والتي قد وصفها المحتل “الصهيوني” بأنها من الكيانات التي تشكل خطرا على دويلتهم الزائلة.
فيجب أن يكون هذا وساما لأبنائها أمام حكومات العرب ولكنهم أرادوا ما يريد اليهود ولبوا نداء اليهود باتهام هذه القبيلة الحرة الصامدة بأنها “قبيلة إرهابية أو داعمة للإرهاب” وحسبنا الله ونعم الوكيل.
احتجزوا الشاب أسابيع ليحققوا معه وانتهكوا حريته وكرامته لأنه وفقط ابن سيناء وابن قبيلة السواركة.
فشكرا أيها الوطن يا من لوعتنا في أرضنا وعطشتنا وجوعتنا وشردتنا مدعيا كذبا وبهتانا أنك تحمينا.
شكرا أيها الوطن يا من دفنت كرامتنا لأننا بدو ولأننا أحرار لا نرضى بالذل، شكرا أيها الوطن يامن دمعت عيناك وطارت طائراتك لتطفئ لهيب اليهود وفى عودتها أحرقت أطفالنا وعجنتهم برماد أشجارنا التي نشفت من عطش وجفاف ماء آبارنا الجوفية.
شكرا أيها الوطن يا من بنيت القنوات لتضخ فيها المياه لدويلة الكيان وسيناؤك عطشى لم تذق طعم النيل في حياتها.
وأخيرا وبعد عناء سافر الشاب وما لبث أن استقر في غربته إلا وجاءه نبأ اعتقال أبيه وإخوته لا لشيء إلا لأن بطاقاتهم تعود للشيخ زويد ورفح وعلى الهوية استمر التمييز على الكمائن وفى الأسواق وفى كل مكان.
نداء إلى أحرار العالم أن أغيثوا مهجري ونازحي الشيخ زويد ورفح.
مناحي السواركة
مدون سيناوي ..
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
