إني أرى أن ما يثيره بعض المؤيدين والمعارضين في هذا اليوم لإظهار محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم لا يرقى أن يكون احتفالا بهذا الرسول الكريم. يتبع

فوجئت أن بعض المسلمين مازالوا -إلى اليوم- يتحاورون ويتناقشون حول مولد النبي صلى الله عليه وسلم وجواز الاحتفال به في شهر ربيع الأول من كل عام، وبرغم أنني لا أشك في صدق كلا الطرفين وإخلاصهما في محبتهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاولة التعبير عن ذلك، إلا أنني أرى أن مثل هذا النوع من الاختلاف والمجادلة لا أساس له مطلقاً؛ فكلا الطرفين يحتفل بالنبي صلى الله عليه وسلم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وذلك من خلال إثارتهم لهذا الموضوع في كل عام وجعله قضيةً، فهذا يحتفل بالدعوة إلى اقتفاء أثره واتباع هديه في جميع شئون الحياة، وذاك يحتفل بتجميع الناس وتذكيرهم بحياة النبي صلى الله عليه وسلم. فأين الاختلاف إذن؟ فإذا قال أحدهم:(لم يرد تحديد يوم للاحتفال بهذه الذكرى)، وجدت الآخر يقول: (وهل ورد تحديد هذا الوقت من كل عام لرد الاحتفال بالمولد؟).
وحقيقة الأمر أن الأمة الإسلامية لا تحتفل بذكرى نبيها صلى الله عليه وسلم مرة واحدة في العام فحسب؛ إنما هي في احتفال مهيب دائم لا يُعقد لبشر على الإطلاق إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، ألسنا مُلزمين بذكر اسمه صلى الله عليه وسلم وتذكره بجانب ذكر اسم الجلالة(الله) كل يوم: قبل كل صلاة في الآذان، وأثناء كل صلاة في التشهد، وبعد كل صلاة في الدعاء والذكر. فلماذا الإصرار على أنه يوم واحد في العام؟ وما قيمة احتفال يوم أمام هذا الاحتفال الرباني الفريد بخاتم الأنبياء!. يقول تعالى:(ورفعنا لك ذكرك) قال ابن عباس: أي “لا ذُكرتُ إلا ذُكرتَ معي”. ولعل ذلك هو السبب في أنه لم يرد تخصيص يوم للاحتفال به صلى الله عليه وسلم في عهد الصحابة والتابعين حتى القرن الثالث الهجري، وذلك لأن أهل هذه القرون الخيرة كانوا في تذكر دائم لرسولهم صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل والدعوة والنصرة، يؤكد ذلك ما روي عنهم أنهم كانوا (يعلمون أولادهم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعلمونهم السورة من القرآن). ولا يخفى ما يتطلبه تعليم السورة من مراجعة وتدقيق دائمين بين المعلم والمتعلم. وفي ذلك إشارة إلى أن تحديد يوم لتذكره صلى الله عليه وسلم والاحتفال به قد يكون محاولة لجبر تقصير وقع فيه البعض تجاه النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم.
ولهذا، فإني أرى أن ما يثيره بعض المؤيدين والمعارضين في هذا اليوم لإظهار محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم لا يرقى أن يكون احتفالا بهذا الرسول الكريم، مقارنة مع ما يقوم به المنشغلون بالصلاة والسلام عليه في كل يوم، وبخاصة بعد ترديد الأذان وفي يوم الجمعة، وأمام المواظبين على سننه وهديه صلى الله عليه وسلم في العبادات والمعاملات، وبخاصة هؤلاء الذين يحرصون على صلاة الجماعة، وهؤلاء الذين يقفون في ساعات السحر يستغفرون، ويدعون، ويسألون الله من فضله كما كان النبي الكريم يفعل.
وإني أعتقد أن أفضل ما تقوم به الأمة اليوم تجاه نبيها صلى الله عليه وسلم للتعبير عن صدق حبها، وصحة اتباعها له، أن تقوم بالدفاع عنه وعن أتباعه وحرماته أمام هؤلاء الحاقدين المعادين للإسلام ورسوله؛ ممن تجرؤوا على النبي صلى الله عليه وسلم بسبه وإهانته، والتطاول على زوجاته وأصحابه، وتمزيق كيان أمته، وتشريد أتباعه وقتلهم، واستهداف مقدساته وتعليماته، حريٌ بأمة هذه حالها أن تنفض غبار التفرق والتشرذم، وتكسر أسباب التنازع والاختلاف، فتوحد شملها، وتقوى شكيمتها، فتجتمع بأفرادها وعلمائها ومؤسساتها ودولها حول رسولها في أمور أربعةٍ، لا فلاح للأمة بدونها: إيمان صادق لا يتزعزع، واحترام وتقدير لا يتخلخل، ودفاع ونصرة لا تتقهقر، وطاعة واتباع بلا انحراف ولا تلون. يقول تعالى:( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف،157). وصلى الله وسلم وبارك على خير الأنام محمد.
دكتور بسيوني نحيلة
أستاذ الدعوة الإسلامية – جامعة قطر
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
