سماح إبراهيم تكتب: أذرع السيسي تأكل بعضها!

سكب الإعلام حبارته السوداء على شاشات التلفاز يوم الأربعاء الثالث من شباط/فبراير الجاري، وقت انخلعت فيه قلوب 148 رجلاً وامرأة فرحاً بعفو مؤقت وفرصة أخرى للحياة.

سماح إبراهيم

سكب الإعلام حبارته السوداء على شاشات التلفاز يوم الأربعاء الثالث من شباط/فبراير الجاري، وقت انخلعت فيه قلوب 148 رجلاً وامرأة فرحاً بعفو مؤقت وفرصة أخرى للحياة، بقرار محكمة النقض بإلغاء أحكام الإعدام وإعادة محاكمتهم أمام دائرة جنايات مغايرة في القضية المعروفة إعلامياً بمذبحة كرداسة، ولعلها المرة الأولى التي تخالف أذرع النظام بعضها البعض, وتتراشق الاتهامات علناً بفضائيات النظام مشككين بذمة القضاء بل وتوبيخ الهيئة القضائية الصادرة للحكم بشكل مقصود ومبالغ فيه على ألسنة ضيوفهم.

كعادته، أجاد إعلامنا وظيفته في استغلال الحدث بشكل يليق بمهنته التي لا رائحة فيها لشرف إعلامي، ورغم إيماني بأن متابعة السفه يعد سفهًا أكبر جرماً, إلا أن المصادفة وحدها هي ما أجبرتني لسماع صوت صادق مؤلم لامرأة بمداخلة هاتفية لها ببرنامج “على مسؤوليتي” تشكو فيها ضياع حق ابنها قتيل مجزرة كرداسة النقيب محمد عبد العزيز والذي لقي حتفه إبان الاشتباكات الطاحنة التي دارت بالأسلحة الثقيلة أمام قسم كرداسة يوم التاسع عشر من أيلول سبتمبر 2013م، يوم أعلن فيه الأهالي رفع السلاح بوجه من قتلوا ذويهم من رجال الداخلية بمجزرة فض ميدان النهضة.

مطالبات متكررة ورسائل إعلامية موجّهة لإنهاء الأمر بتدخل رئاسي، وإسدال ستار المشانق الجماعية لقائمة مطوّلة أغلبهم لم يسند إليهم من الاتهامات سوى التجمهر والانتماء لجماعة أُسست بخلاف القانون.

الداخلية تبكي رجالها الآن، نسوا أنهم من بدأ فعل القتل واعتدوا بالأول على الأهالي بأسلحتهم, بعروض قتل ميداني لم يستطع التاريخ طمسها على الرغم من الاجتهادات الأمنية والإعلامية الرامية لحذف كافة مشاهدها من الذاكرة.

فلنذكركم إذا بمئات القتلى بميداني رابعة والنهضة، يوم سخرت عقولكم المتهالكة وأجسادكم لحماية “وطن” متمثلٍ في شخص رجل، يوم وافقتم على إراقة دماء مسلمة لم تمتد إليكم أو إلى غيركم بسوء، ترونه طبيعياً أن يواجه الشعب تذبيحكم السياسي بالتهليل والتكبير! أم يشهر هو الآخر سلاح القصاص لرد عدوانكم.

ولأنكم سِرتم على الخطة العسكرية الموضوعة لكم على أتم وجه، وجاءت الحصيلة النهائية المرجوة بأن يعتلي الرجل كرسيه, على رجل السلطة هو الآخر أن يغدق عليكم ويدفع الثمن لكم مضاعفاً بالوقوف إلى جواركم كما تصرحون أو لتفضحوا وطنيتكم وتحاربوا خيانته.

“محمود عبد العزيز” والد النقيب سابق الذكر, لم تكن كلماته كزوجته، بصوت أجشّ ظل يلوّح مهدداً باستخدام سلطته الأمنية باعتباره أحد رجال الداخلية التي لم تتخل عنه قائلاً: القضاء ميحكمش علينا!! إحنا نأخد حقنا بإيدنا!! القضاء مات، ولإسكات الرجل بعد خروجه عن الخطوط الحمراء في الحديث عن القضاء قال له المدعو أحمد موسى مقدم البرنامج “مين قال.. القضاء محترم.. هو يعني مين اللي بيحكم في القضايا بتاعتنا”!

اتسعت عيني من المتابعة وأذرع النظام قد سلطها الله لتأكل بعضها في مشادات إعلامية تخرج أضغانهم, بل بلغ جنون التخوين وصف الهيئة القضائية بانتماءاتهم الإخوانية وهم أصحاب التاريخ الأسود في إصدار أحكام ضد الآلاف من أبناء التيار الإسلامي أو من يؤيدونهم بإشارة..، بل والأدهى من كل ذلك أن رجال الداخلية – ولتكن نكتة الموسم- يطالبون بالقصاص الناجز, وإلا سيتدخلون لتصفيتهم من الداخل، والأمر ليس ببعيد عنهم، فسبق أن فعلوها في مجزرة عربة ترحيلات “أبو زعبل” والتي راح ضحيتها 37 قتيلاً.

رواد التواصل الاجتماعي” فيس بوك” تبادلوا مقطعاً مصوراً، كان الأكثر مشاهدة، ظهر فيه الدكتور مبروك عطية رئيس قسم اللغويات بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بجامعة الأزهر ضيفا لبرنامج أحمد موسى بنفس البرنامج “على مسؤوليتي” مادحاً لشباب الإخوان، واصفا الجماعة بأنها ( زي الفل) –حسب تعبيره – ومن يضبط بمولوتوف فليعاقب، اعترض مقدم البرنامج لوجهة نظر الداعية محاولا مقاطعته، لكن الداعية أكمل حديثه متجاهلاً الشحنة العصبية التي أصابته بقول: يا أحمد هشرح لك الإخوان مسلمين مش إرهابيين، بيصلّوا.. ويصوموا، ناس عملوا جماعة لربنا، من يضبط بفعل إرهابي هو المجرم سواء كان من الإخوان أو غيرهم.

ولإيصال الصورة الشرعية مكتملة استشهد الداعية بقول الله: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ أن اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” سورة الممتحنة، مؤكدا أنه لا يجوز الاعتداء على المسلم ما دام لم يتركب فعل القتل ويثبت عليه ارتكابه.

فقاطعه أحمد موسى بقوله: كلهم بيعملوا كده… فرد باقتضاب..إذا…اثبت ذلك! والأزهر هو من يقول هذا ولست أنا، وللعلم وأنا لا علاقة لي بالإخوان.

من المصادفة الغريبة أن ظهر ذات اليوم الأربعاء الثالث من فبراير –يوم إلغاء أحكام الإعدام- أعلن القطاع الأمني عن تصفية شابين في منطقة المعادي بدعوى الإرهاب, أحمد عباس حسين جاد – 33 سنة، محمد أحمد عبدالعزيز عبدالكريم – 25 سنة، ولم يستقبل الإعلام صرخات ذويهم المقهورة من قتل رجال الأمن لأبنائهم وتكفيرهم، أي وقاحة هذه! يتحدثون عن دولة القانون وهم يصفّون الشباب بمنازلهم دون إعطائهم أحقية عادلة للمثول أمام محكمة تثبت إدانتهم من عدمه!.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان