السوريون هم ضحايا القتل والتهجير القسري عبر تعريضهم لقصف جوي روسي كثيف, ظروف تهجير السوريين اليوم لا تختلف كثيرا عن تلك التي عاشتها شعوب القوقاز، فهل من مغيث؟ يتبع
![]() |
| سلوى أكسوي / مدونة وكاتبة سورية |
في شتاء شديد البرودة يشبه شتاء سوريا، ومع مطلع عام 1944, تسلل الآلاف من عناصر الشرطة السرية الشيوعية في الإتحاد السوفييتي إلى الجمهوريات الجبلية الصغيرة ومنها الشيشان وأنغوشيا ذات الأغلبية المسلمة لتنفيذ خطة دنيئة لتهجير سكان تلك المنطقة بذريعة الخيانة والتعامل مع النازية.
عمدت هذه العناصر السرية إلى إحراق جميع المناطق السكنية في تلك الأراضي متبعة سياسة ما لبثت أن أصبحت صفة ملازمة لروسيا وهي سياسة الأرض المحروقة. وبعد أسابيع من هذه الحادثة وفي الثالث والعشرين من فبراير في عيد الجيش الأحمر, تم دعوة سكان تلك المناطق لحضور اجتماع في أحد الأبنية المحلية.
يتوجه السكان إلى نقطة الإجتماع لحضور الإحتفال بهذه المناسبة, غير مدركين لحجم المأساة التي هم على وشك أن يشهدوها. في الإجتماع, وأمام الجميع, يعلن الإتحاد السوفييتي عن مرسوم يقضي بتهجير شعوب الشيشان والأنغوش من أراضيهم بتهم الخيانة والتعامل مع ألمانيا. لتبدأ بعدها رحلة التهجير بظروف مهينة.
ليست هذه السطور سوى مشهد واحد من مسلسل العنف الروسي, لم يكن الشعب الشيشاني المسلم الذي تعرض للقتل والتهجير إلا حلقة في سلسلة الإجرام الروسي الذي طال شعوبا وقبائل منها شعوب القوقاز, التي مازالت تذرف الدموع مع كل ذكرى تهجير قسري روسي.
ولعل أبلغ مثال على ذلك, التهجير الكبير الذي تعرضت له الشعوب القوقازية المسلمة خلال مواجهتها الجيوش الروسية في الأعوام 1864 و 1878 والتي أدت إلى مقتل مئات الآلاف, إما عن طريق القتل أو عن طريق الغرق في البحر الأسود أثناء عبورهم نحو الأراضي العثمانية.
لست هنا بصدد سرد تفاصيل إضطهاد وقتل وتهجير مئات الآلاف من المسلمين على يد الروس عبر التاريخ ـ فلهذا مقال خاص ـ لكن مع مرور الذكرى الثانية والسبعين لتهجير الشيشان والأنغوش قبل أيام فقط, فإن اللافت في الأمر هو حقيقة ما أشبه اليوم بالبارحة, فرغم تغير شكل روسيا من قيصرية إلى اتحاد سوفييتي إلى فيدرالية, فإن علاقتها مع الشعوب المسلمة لم تتغير، وأساليبها التوسعية والقتالية لم تتعرض لتعديلات جذرية.
إن نمو وتوسع روسيا جاء على حساب دماء مسلمة امتزجت بالبحار والتراب. على الرغم من جميع محاولات الإستقلال عن روسيا, لم تتمكن الجمهوريات المسلمة الصغيرة من تحقيق ذلك, باستثناء أفغانستان, وقد تمكنت الإمبريالية الروسية من غرس أنيابها الحادة في كل منطقة تغزوها, حتى يبدو التخلص منها أمراً أشبه بالمستحيل.
لا يمكن فهم البطش الروسي في سوريا الآن والمتمثل بالقصف الكثيف الذي يرافقه إنكار للواقع، ولكل اتهامات ارتكابها لجرائم ضد الإنسانية, دون العودة بالزمن إلى تلك العصور, والتمعن بتجارب المسلمين مع الإعتداءات الروسية. اليوم يعود التعطش الروسي للدماء ليظهر من جديد, وتستمر روسيا بالتوجه جنوباً نحو بلاد الشام,
هذه المرة السوريون هم ضحايا القتل، والتهجير القسري عبر تعريضهم لقصف جوي روسي كثيف أحرق الأخضر واليابس, وشرد المدنيين في ظل تواطئ دولي. ظروف تهجير السوريين اليوم لا تختلف كثيراً عن تلك التي عاشتها شعوب القوقاز قبل مئات السنين على يد روسيا. فهل من مغيث؟
وبالنظر إلى قلة عدد العائدين لأرض الوطن من سكان مناطق القوقاز الأصليين نتيجة التعنت الروسي في إعطائهم حق العودة, فما مصير السوريين الذين أجبروا على ترك مساكنهم؟ وما هي فرص عودتهم في حال حطت الرحال الروسية على الأراضي السورية وتحولت سوريا نفسها إلى جمهورية مستقلة شكليا لكن تابعة كلياً لروسيا؟.
قديما توجهت شعوب القوقاز إلى أراضي الإمبراطورية العثمانية بحثاً عن الأمان, ولكن من لأهل سوريا الآن؟ وأين يذهب السوريون؟, وهل من المفترض أن يعربد الدب الروسي ويوغل في الدماء كما يريد ؟! أحسب أن الشعب السوري الصامد سيتجاوز أزمته عاجلاً أم آجلاً وسيمرغ أنوف الروس في التراب كما فعل الأفغان قبلهم، ولكن هل سيتوقف الروس؟ أم أنهم سيذهبون إلى شعب آخر يقتلونه ويستبيحون أرضه؟ إن لم يتم ردع الروس الآن فيحق لنا أن نسأل من التالي؟
سلوي أكسوي
مدونة سورية
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

