نعم أخترت غربتي ولازالت هي أختياري الأول في ظل بلد تسكب فيه كرامة أهله كما يسكب الماء فى الطرقات لا قيمة فيه لإنسان ولا تقدير فيه لمخلوق غير المستبد الظالم.يتبع
![]() |
| حكمت عمر / كاتبة مصرية |
دائماً المقدمات صعبة والتمهيد مؤلم .. أبحث عن كلمات افتتح بها مقالي الجديد فلا أجد ما يمكن أن يوجز ما يعتصر قلبي من الحزن فأحياناً تعجز الكلمات عن ترجمة بركان المشاعر المتأجج في الصدور ويتحجر الدمع فتشتعل النار بداخلنا تمزق أضلاعنا .
الموت .. ذلك الحاضر الغائب .. الحقيقة التى نحاول أن ننكرها و نتهرب منها في دوامة الحياة .. يقبع بعيدا ً ينظر إلينا يتصيدنا من وقت لأخر ينهش من قلوبنا فرحتها ويطرقها بمطرقته فتتصدع اسفاً على أحبة رحلوا ثم ما نلبث أن نعاود الهروب ويعاود نهشتة لتدور عجلة الحياة على هذا المنوال .
أستيقظت منذ عدة أيام على خبر أسود فقدت أختى جنينها الأول وهو لم يكمل شهرة السادس بعد .. فاجئة وبدون مقدمات نزيف شديد صحبتة الآم المخاض فكانت الولادة المبكرة لتصل الصغيرة وتحيا في هذة الدنيا لدقائق معدودة ثم تغادرها قبل ان تحظى أمها بحضنها الأول.. ها هو الموت يحضر بهيبته وجلاله ليقبض روحها البريئة ويذر قلوب أهلها تنفطر خلفه .
مرت أيام لا تتعد أصابع اليد الواحدة لأفجع بموت خالي الأكبر .. لا أتذكر أخر مرة رأيته فيها ولكني أذكر بشاشة وجهه وطيبة قلبه وصداقته الوطيدة بأبي عليه رحمة الله ورضوانه.
في أسبوع واحد نهشنى الموت مرتين متتاليتين ليذكرني أني حبيسة الغربة وأنه لاخيار لدى سوى الإستسلام لأمواج الحزن المتلاطمة بداخلي ليس على من فقدت فقط .. ولكن خوفا على من سأفقد غداً.
أحياناً أشعر أن حزن الأحياء على الأموات ليس لفراقهم فقط ولكننا ننظر في وجوه احبتنا بجوارنا ونتذكر يوما سيفارقونا فيه فيتضاعف الألم والأحساس بالوحشة .. أو انه حزن الفراق ممزوج بالخوف من يوم أن نصير الى ما صاروا إليه .. ما ذا سنفعل ؟؟ ماذا قدمنا ؟؟ لا أعلم ماهية الحزن على الأموات تحديداً ولكنه لا يضاهيه وجع.
لدي قناعة أننا في هذة الحياه مسيرين بأختيارنا لكن لا اتوقع أن تكون أختيارات عقلي لا تتحمل روحى وطئتها إلى هذا الحد.
نعم أخترت غربتي ولازالت هي أختياري الأول في ظل بلد تسكب فيه كرامة أهله كما يسكب الماء فى الطرقات لا قيمة فيه لإنسان ولا تقدير فيه لمخلوق غير المستبد الظالم .
عقلي أختار غربتي ولكن روحي خنقها الألم وباتت لا تتحمل لطمات القدر المتلاحقة .. وما بين عقلي وروحي وما بين مطرقة الموت وسندان الأهل أدور في رحى الحياة مسيرة بأختياري راضية بقضاء الله وقدرة .
حكمت عمر
مدونة وكاتبة مصرية
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

