سارة علاء تكتب: في دايرة الرحلة

تعلمتُ إن “الحُب والأمان والثقة والجَمال والنُضج والقَبول والإيمان والمسئولية” .. كُل هذه القيم والمعاني هي “نِعَم “.. تأتى من داخلنا نحن!.يتبع

 سارة علاء / مدونة مصرية

منذ عامين أو أكثر كُنت أحيا حياة بها من الأمان الكافي ما يسمح لي أن استمر بها مُتشبثةً بالقدْر الأعلي من الرضا والصبر والأمل وبالأدني من السعادة والطمأنينة، حتي حدث ما لم يكُن في الحُسبان من أحداث هزّت كل ما اعتدناه وألِفنا وجوده في حياتنا.

‏”وفي جَنب البلاءات، ذِمةُ الله بريئة! “‏
تحولنا شيئاً فشيئاً إلي ردود أفعال تحيا بها أرواح، لا أرواح تصنع الفعل و رَده، وأخَذ هذا الدور يتسع حتي وصل إلي كل أرجاء عالمنا الذي نعرف، حتي في علاقاتنا وإدراكاتنا الإنسانية.

سنين قليلة شهدتُ بها حولي موت أشخاص كنا نظُنهم خالدين كخلودنا، وانهيار نُظُم وعوالَم ما كُنا نظُنها تهتز يوماً، واندحار أفكار ما كُنا نظُن في خطأها يوماً .. كُنا نشهد ما غلَبه الزمَن منّا وفينا.
وفي غمرة ما كُنا جميعاً نقاوم للحفاظ علي ما كان، وما تبقي منه حولنا، رُبما لم أكُن لألتفت أنا إلي تصدُع جدار رَوْحي أيضاً !


نعم .. ’الرَوْح‘ ، أو ما تبقي لي منها ..
فمن كان منَّا يظُن أن لرَوْحه عليه حقاً أصلاً ! في خضم حقوق الأمة والوطن والعائلة والأهل والناس والجيران ثم فيما بعد الزوج والأبناء وو..  

كانت نفسي في حاجة إلي الكثير من عمليات الصيانة حتي أستطيع التحقُق من إنسانيتي.
علَّني أُقيم صَرْح روُحي ثانية


أما عن رَوْحي .. فكانت قد بلغت حالة من الإنهاك ما لم تحتمل به هزَّات أخري في عالمها الخاص الآمِن، والذي لم يكن قد مرّ عليه الكثير في تكويني لهُ، ظناً منِّي أنِّي قد استطيع الإحتماء فيه من كُل ما بي وحولي ..
كانت نفسي في حاجة إلي الكثير من عمليات الصيانة حتي أستطيع التحقُق من إنسانيتي.
علَّني أُقيم صَرْح روُحي ثانية!

حتي وإن انهار كُل ما حولى أو ما تبقي لي منه .. كُنتُ راضية تماماً بالثمن وما سيكون من شأني في الغيب.
كُنت في حاجة إلي بيئة آمنة أستطيع التصرف فيها بأقصي ما أملك من قدرات وهبات، وبأغلي ما أحمل من نواقص وعيوب .. وبأبخس مميزات وجماليات عرفني بها من حولي، ولم تعرفني نفسي بها يوماً. 

وكانت حاجتي الأكبر إلي رفيقٍ صادقٍ أمين ومُستشارٍ خبيرٍ مؤتَمَن.. وكانت هذه هي مِنَحُ الله المجانية لي في “الرحلة” !  

لَم أكُن أُدرِك حين بدأتُ رحلتي كُل ما قبل، غير أنى كُنتُ أعلم جيداً أني لم أعُد أشعُر بحقيقة نفسي وجوهر روحى منذ سنين مضت.. وكأنى أُشاهد كُل شيء من وراء حُجُب.. حتي المشاعر الإنسانية والأحداث الفارقة الحزينة منها والسعيدة أيضاً.. كُنت أتلَمسُ نفسي في كُل موضِعٍ تطأُه قدماي ويطأُه قلبي فلا أجدُنى ولا أجده.. ولا أجِد غير بقايا شعورٍ باهِت من الرِضا والكَفاف، وفي أحيانٍ أُخري شعور الواجب. 

كان عالمي مُكتظاً بالكثير من كُل شيء، بداخلي وبخارجي، حتي إذا أخرجتُ يدَيْ لم أكَد أراها، وإذا تحدث قلبي لم أكَد أسمعه، كُنت في حاجة إلي بعض الفراغ والفُسحة.. 

أعطيتُ للحياة فُرصة وسِعة أن تسري فيِّ بشكل طبيعي بكل قوانين وأشكال التغيير فيها.. التغيير فيِّ.. في علاقاتي.. في أفكاري.. في مجتمعاتي.

عَلّ أنوار الله تجد طريقها إليّ.. إلي رَوْحي تُضيئها فتضيء من حولها، وإلي قلبي علّني استنطقه فيُجيبني يوماً.
أخذُت وقتي كاملاً في ترتيب عالمي ووحداته ثانية ومصابيحه، كما استعنت علي ما ارتضته نفسي من عُزلة بادية لغيري ومجاهرتهم لي بذلك كُلما تقاطعت طرقنا يوماً، بما كان من حقيقتها في قلبي من وَنَس وصُحبة وسلام. ‏ 

أذكر حينها أني ضحكت كثيراً حين تذكرتُ ما كان يزعجني دوماً من تدخلات البشر في حياتي، وسؤالاتهم عن خصوصياتي، وانزعاجى حين أفكر فيما قد يحمله البعض من أفكارٍ عني في كُل وقتٍ وحال.
كُنْت قد تعَّلمت، في هذه اللحظة، أنِّي حين أصونُ نفسي عن أخبارهم وحكاياهم، فإن أخباري وحكاياي ستُصان عنهم بدورها، كَـ “رَد جمَيل” طبيعي ومنطقي كُنت أجهله تماماً من قبل. 

وعلمتُ حينها أن من تمام إنسانيتي أنَّ كُل وقتٍ يحمِل لي حالا جديدا، وأن حالي المستديم هو تغيرُي وتبدُلي بين الأحوال والأفكار.


وأن في ذلك حُرية نَفْسي و رَوْحي.. بما في ذلك من نُضج وفطرة سوية
أدرُكت حقي في أن أحيا كَـ ’إنسانة حُرَّة  ..  

حُرَّة بالمعني الفطري الجَميل .. حُرية الفِطرة والشعور والتفكير ثم السلوك
أن أكون حُرة في قراراتي وتوجهاتي واختياراتي وعلاقاتي الإنسانية وطبيعتها ..
ومع الوقت دوائر إتخاذ قراراتي بدأت في التغُير ..

 
أعطيتُ للحياة فُرصة وسِعة أن تسري فيِّ بشكل طبيعي بكل قوانين وأشكال التغيير فيها.. التغيير فيِّ.. في علاقاتي.. في أفكاري.. في مجتمعاتي.
تعلمتُ أن الخطوة بمفردي ولو بالإتجاه المخالِف، أفضل من أمان وطمأنينة الجمود بين الآلاف .
تعلمتُ أن فكرة القَبول المجتمعي لا تُمثل أبداً أمان وطمأنينة أو تأشيرة مرور لأحدهم.

 
آمنتُ أن حياتنا أجمل وأرقي من أن نحيا فيها أياما متشابهة وبائسة ‘خوفاً فقط من فقدان أمان زائف ومؤقت!‏’‏
تعلمتُ أن أي علاقة إنسانية، يُمكن خروجها من حياتي ‏بضغطة زر أو تغيير عنوان أو حتي بتغيير قناعات، هي يقيناً لا يُعوَل عليها ولا يؤمَّن فيها .

ما زلت في رحلتي لم أنته بعد، وما أظنني انتهى.. وما أظن غاية الرحلة في الوصول وإنما في أنوار الطريق

 
تعلمتُ أن علاقة حقيقية في حياتي، واحدة كانت أو أقل من أصابع اليد الواحدة، أجمل وأنقي وأرقي آلاف المرات من حاضنة اجتماعية من ذوي العلاقات المئوية والألفية .
تعلمتُ إن “الحُب والأمان والثقة والجَمال والنُضج والقَبول والإيمان والمسئولية” .. كُل هذه القيم والمعاني هي “نِعَم “.. تأتى من داخلنا نحن!
لن نجدها مهما بحثنا عنها في وجود أحدهم أو بداخل علاقة، أو في أي حواضن اجتماعية أو دينية‎.‎
الأمان بداخلنا نحن! 

والإيمان أصلُه فينا! نفحةٌ من الرحمن نفخها فينا مع روحنا.. يزهو حين نزهو ويخبو حين نزبُل!
الجَمال، حقيقيٌا كان أم مزيفا، هو جزءٌ منّا! مهما حاولنا إخفاءه أو سمحنا لأحدهم أن يطفيء جذوته فينا.. هو كامن في أرواحنا يُضيء لنا حين التباس السُبُل.
القَبول لو لم يكُن منَّا لأنفُسنا أولاً، فلن نجده من أى إنسانٍ/ في أي علاقة كانَت.
أما المسئولية ففي معايشتها ’نِعم‘ .. نعمة معايشة المسئوليات الحاضرة، وما يورِث المرء حينها من مقام إتيان النعم الغائبة .

 
‏وكذلك الحُب والثقة.. والنُضُج المتعاظم مع نمو كل هذه القيم بداخلنا‎ ..
‏” وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ.”‏
آمنت أخيراً أننا إذا لم نستطع معايشة كل هذا النُضج والجمال في علاقتنا بذاتنا، فلن نستطيع معايشته بشكل حقيقي مع أي إنسان أو في أى علاقة أبداً.
ولو أن كُل قيمة ملأنا بها أرواحَنا وعايشنا أنوارها جيداً، فستفيض حقاً وصدقاً في كل أرجاء عالمنا الصغير والكبير معاً.


هذه المعاني كانت هي ضماناتي الوحيدة في الرحلة‎ .
حتي آمنتُ أن من جمال هذه الرحلة وإعجازُها أن ليس بها أى ضمانات.
ما زلت في رحلتي لم أنته بعد، وما أظنني انتهى.. وما أظن غاية الرحلة في الوصول وإنما في أنوار الطريق.
“مسئولية الطريق نعمة، وتكاليفهُ نعمة .. ورِزْق أيضاً!”‏

سارة علاء

مدونة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان