ألا لعنة الله علي كل من أخرج الناس من أوطانهم قسراً بغير ذنب! وفرق بينهم وأرواحهم الذين بقوا في أوطانهم، وبين أجسادهم التي رحلت بهم .يتبع
![]() |
| وليد شوشة / مدون مصري |
أيها الراكب الميمم أرضي
أقر من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرض
وفؤادي ومالكيه بأرضي
قدر البين بيننا فافترقنا
وطوى البين عن جفوني غمضي
قد قضى الله بالفراق علينا ..فعسى باجتماعنا سوف يقضي.
بهذا الكلمات الرقيقة ، وهذه العاطفة الجياشة ، خاطب عبد الرحمن الداخل قافلة متجهة إلي الشام ، بعد أن استتب له الحكم في الأندلس ، فتذكر غربته ، واشتاق إلي وطنه.
ويقف رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد خروجه من الغار ، ويلتفت إلي مكة ويقول : “أمَا والله لأخرج منك، وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلىَّ، وأكرمك على الله ، ولولا أن أهلك أخرجوني منكِ مَا خرجت” ويضرب لنا الرسول الإنسان صلي الله عليه وسلم المثل والقدوة في حب الأوطان فيُخاطب مكة .
وكأنه حبيب يُغادره بعاطفة وحب ، لقد حركت ذكريات الطفولة، والأهل والنشأة والصحب والأحباب ونزول الوحي، وبيت الله الحرام؛ حركت الحنين والشوق عنده حتي قال :” ما أطيبك من بلد ، وأحبّك إلىّ ! ولولا أن قومك أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرك”.
كأنه حبيب يُغادره بعاطفة وحب ، لقد حركت ذكريات الطفولة، والأهل والنشأة والصحب والأحباب
وكم حركت كلماته في نفوسنا اللعنات علي كل الطغاة والظالمين الذين يفرقون بين الوطن ومواطنيه ، بين المحب ومحبوبه ، بين الناس وأهاليهم وذكرياتهم وأصحابهم .
ألا لعنة الله علي كل من أخرج الناس من أوطانهم قسراً بغير ذنب ! وفرق بين أرواحهم التي بقيت في أوطانهم ، وبين أجسادهم التي رحلت بهم .
إن حب الأوطان فطرة إنسانية فطر الله الناس عليها مع اختلاف أجناسهم وأنواعهم . قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : عَمَّر اللهُ البلدانَ بحب الأوطان .
وقال ابن الزبير : ” ليس الناس بشيء من أقسامهم – أي ما قسمه الله لهم من الأرزاق والحظوظ – أقنع منهم بأوطانهم . وقد قيل : ” من علامة الرشد أن تكون النفس لبلدها تواقة وإلى مسقط رأسها مشتاقة ” . وقالوا في بلاد الهند: “حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك” .
ولم تُنسي الأيام ومرورها ، والنبوة ومتطلباتها النبي صلي الله عليه وسلم مكة ، والسؤال عنها وعن أحوالها كلما قدم إليه منها قادم .
روي ابن شهاب الزهري قال : ” قدم أصَيْلٌ الغفاري قبل أن يُضرب الحجابُ على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل على عائشة رضي الله عنها، فقالت له: يا أصَيْل، كيف عهدت مكة؟
قال: عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها. قالت: أقمْ حتي يأتيك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يلبث أن دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا أُصَيْل، كيَف عهدت مكة ؟) قال: عهدتُها والله قد أخصب جنابها، وابيضتْ بطحاؤها ، وأعذق إذخرها، وأسلب ثُمامُها، وأمْشَ سَلْمُها. فقال: حسبك يا أصَيْل لا تُحْزِنَّا” .
وفي رواية أنه قال له : “يا أصَيْل، دع القلوبَ تقر” ،ومن حب الأوطان رعايتها ، وتنميتها ، والدفاع عنها ضد كل من يريد بها الشر والسوء ، واعتبار من يخونها ويتعامل مع أعدائها خائن يستحق العقاب مهما كانت المعاذير.
من حب الأوطان رعايتها ، وتنميتها ، والدفاع عنها ضد كل من يريد بها الشر والسوء ، واعتبار من يخونها ويتعامل مع أعدائها خائن
وقد اشترط بعض الحكماء حنين الرجل وتلهفه إلي وطنه شرطاً للوفاء. فلما “سُئل أحدهم : بِأَيِّ شَيْءٍ يُعْرَفُ وَفَاءُ الرَّجُلِ دُونَ تَجْرِبَةٍ وَاخْتِبَارٍ ؟ قَالَ: بِحَنِينِهِ إلَى أَوْطَانِهِ ، وَتَلَهُّفِهِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ زَمَانِهِ ” .
واعتبر آخر حب الوطن من الطباع المستولية علي الإنسان ، فقال : ” محبة الوطن مستوليةٌ على الطِّباع ، مُسْتدعيةٌ لشدة الشوق إليها والنِّزاع”. ويري جالينوس الحكيم أن علاقة الانسان بوطنه كالعلاقة التي تربط الحبة بالمطر لتنبت وتنمو .
فقال : ” يَتَروح العليل بنسيم أرضه ، كما تنبتُ الحبَّة ببلِّ القطر”. وجعل أحد الأدباء الحنين إلي الوطن من علامات العاقل ، فقال :” “من أماراتِ العاقل بِّره لإخوانه ، وحنينه لأوطانه ، ومداراته لأهل زمانه “.
وذهب آخر مذهباً بعيداً حيث قال : ” ليس الإنسانُ أقنع بشيء منه بوطنه ؛ لأنَّه يتبرم بكل شيء رديء ، ويتذمّم من كل شيء كريه إلا من وطنه ، وإنْ كان رديء التربة ، كريه الغذاء ، ولولا حبُّ الناس للأوطان لخربت البلدان”. ورحم الله إبراهيم بن أدهم حين قال : “ما قاسيتُ فيما تركتُ شيئًا أشدَّ عليَّ من مفارقة الأوطان”.
والحاكم ليس الوطن ، بل هو متعاقد لخدمة الوطن ورعاية شؤون المواطنين ، ويجب أن يكون الفرق بينهما واضح ، فالحاكم متغير والوطن ثابت ، وليس ما يمنع من حب الحاكم لما ينشره من خير ، ويظهر من بر ، ويجتهد في رفعة البلاد وخدمة العباد، ولكن يظل الولاء للوطن والارتباط به .
من أمارات حب الوطن: الدفاع عنه ، والتضحية في سبيله ، والوقوف في وجه كل من يعيق نهضته ، و يعرضه للضعف والتخلف
فإذا أساء الحاكم وأخطأ فيجب أن يُحاسب ويتحمل هو لا الوطن مسؤولية الخطأ ، والحب والبغض يجب أن يكون بعيداً عن الأوطان ، ومن الظلم أن يتحمل الوطن اللعنات والسباب من كل من لم يجد حقه في العمل والسكن والزواج والإعالة أو عدم التساوي في الحقوق والمعاملات ….الخ.
ومن أمارات حب الوطن: الدفاع عنه ، والتضحية في سبيله ، والوقوف في وجه كل من يعيق نهضته ، و يعرضه للضعف والتخلف ، و يفرق بين ساكنيه في الحقوق والواجبات ، والمعيشة والوظيفة والعدالة الاجتماعية .
ومن علامات محبة الوطن : الوفاء له ، يقول أحد الحكماء : “احفظ بلدًا رشَحك غذاؤه – أي: قَوَّاك – وارعَ حمىً أكنَّك فناؤه ، وأولى البلدان بصبابتك إليه ، بلد رضعت ماءه ، وطعمت غذاءه”.
فيا وطني: ” وطني لو شغلت بالخلد عنه ** نازعتني إليه في الخلد نفسي”.
وليد شوشة
مدون مصري
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

