فاطمة المهدي تكتب: تاء التأنيث

كلمات تثير ضجة كونية فى عالم الأزواج …ضجة تستأثر بقلب زوج محروم..حتى من أن يحالفه حظه ليلتقى بخصيلات شعر زوجته إلا بموعد سابق .يتبع

 فاطمة المهدي / كاتبة مصرية

“وأكثر ما يسلب قلبى حد الاندهاش أو الانبهار -أو سمّه ما شئت -هو رائحة خصلات شعر زوجتى.. فقط عندما يحالفنى الحظ فتخالط نسماتها أنفى، وياله من حظ عاثر ذاك الذى لا يتيح لى أن أشتم تلك الرائحة سوى سويعات قليلة خلال الأسبوع بل خلال شهر كامل”.

كلمات رغم بساطتها إلا أنها قد تثير ضجة كونية فى عالم الأزواج …ضجة تستأثر بقلب زوج محروم .. محروم حتى من أن يحالفه حظه ليلتقى بخصيلات شعر زوجته إلا بموعد سابق.

كنت أتعجب فى صغرى عندما أجد زوجا يترك زوجته؛ فينجذب لهذه أو لتلك رغم جمال زوجته الفتّان؛ إلا أن جزءا من الحقيقة قد تكشف لى عندما كبرت.. وياليتنى ما كبرت.

قمت بزيارتها يوما…”هى”… أيا كانت “هى”.. “هى” التى تحسب على تاء التأنيث … فصدمت عيناى مما رأت … ملابس رثه …أجزاء متناثرة من الجسد هنا وهناك .. شعيرات مسافرة إلى اللا منتهى؛ وكأنها قد صعقت بفولت عال فتوقفت فى مكانها كما كنا نرى  قديما فى حلقات توم آند جيرى.

كنت أتعجب فى صغرى عندما أجد زوجا يترك زوجته؛ فينجذب لهذه أو لتلك رغم جمال زوجته الفتّان؛ إلا أن جزءا من الحقيقة قد تكشف لى عندما كبرت.. وياليتنى ما كبرت.

رائحة عطر نفاذ لا تخطؤه أنفى قد تجلت من أثر التقلية .. بادرت بالتحية فمددت يدي .. فاقشعر جسدى بعدما لامس كفى ظهر كفها ..حيث لا فرق بينه وبين كف فلاح يعمل فى أرضه منذ سويعات الفجر الأولى حتى غروب الشمس .. خشونة لم أكن أتوقعها فى عالم الإناث.

ومهما حكى لى أحدهم عنها فلن أصدقه .. لكننى أصبحت اليوم أصدق .. نعم آمنت بأن هناك أنثى لا تهتم بأنوثتها حد الانهيار .. حد خروجها منه وولوجها فى عالم لا لون له ولا طعم ..أنثى .. فقط فى بطاقة التعريف .. وإن شئت قل فى بطاقة التموين حيث رائحة الطعام تفوح لتغطى على ما تبقى من أنوثتها إن كان هناك بقية .. عالم لا هى فيه أنثى بحق ولا هى قد لحقت بعالم الذكور.

 تحمل لقب أنثى ولا تحمل منها سوى فستان زفاف وصور فى أدراج غرفتها تدلك على احتمالية وجود الأنثى فى مكان ما لكنك لا تعلم حتى الآن أين هى؟  لا أدرى حقيقة كيف تكون زوجة او أنثى ولا تهتم بجمالها .. جمال بشرتها .. جسدها .. شعرها .. رائحتها.

 أسمع بعض الحكايا عن بعض الزوجات اللاتى لا يهتممن بهندامهن، ولا حتى بنظافتهن الشخصية. لا أصغى لبعضها بل أعتبر البعض منها ضربا من ضروب الخيال؛ لكننى أفقت على الحقيقة المرة حيث تأتينى الزوجة شاكية من زوجها الذى نفر منها دون سبب واضح ظنا منها أن قلب أخرى قد بدأ يداعبه.

وبعد التقصى والحديث المطول مع الزوج تصيبنى الصدمة؛ حيث ينقلب السحر على الساحر وتصبح الشكوى الأساسية من الزوج الذى يصرخ راجيا إياىَ أن أجد له حلا ينقذه مما هو فيه؛ حيث إنه لا يزال يحب زوجته؛ لكن رائحة أسنانها وبقايا الثوم العالقة بأظافرها وإعصار الأبصال فى شعيرات رأسها يكادون يفتكون به.

 وقد أظننى فى ذلك الحين قد اكتفيت من صدماتى لكنه لا يزال يكيل لى صدمة تلو الأخرى حتى تكاد الرائحة تقتلنى دون أن أتنشقها يقينا  فيصعقنى كهربائيا عندما يصارحنى بعدد مرات استحمامها فى الشهر؛وكأنها ستحوذ على جائزة نوبل فى الاحتفاظ بأكبر كم من الروائح النفاذه.

-كنت أتمنى أن أجلس بجوارها ليلا أتلمس النسيم الآتى من خصيلات شعرها …
“هكذا كانت كلماته”.

قد تضيقين ذرعا من كلماتى كما ضقت ذرعا من قبل بتصرفات زوجك التى توحى بعدم الاهتمام او اللامبالاة وكأنك هواءا لا يرى.

 حقا لم يكن يرى ملابسك الجديدة التى كنت تبتاعينها خصيصا له .. ولم ينتبه يوما إلى  شعرك الذى قصصتيه .. رفعتيه، أو حتى أزلتيه عن بكرة أبيه  .. لم يلتفت يوما إلى جوربك الأرجوانى الذى أذهل صديقاتك ولا إلى خلخال قدميك الذى أقام الحى ولم يقعده.

أيتها الجميلة لا تتزينين له فقط..بل تتجملين لنفسك أولا

ولم ينبس يوما ببنت شفه عن ذاك اللون الوردى الذى زينت به شفتيك..بل لم تجذبه  حتى تلك الحناء التى بذلت مجهودا مضنيا حتى جعلت تلك المرأة السمراء تخطها لك حول رقبتك..بل إنه لم يلق بالا يوما إلى قرط أذنيك الذى بدلت لون حجره الكريم .. وعندما سألتيه عما إذا استرعاه خاتم إصبع قدمك نظر لك نظرة تمحيص وتعجب وكأنك مخلوق من كوكب عطارد.

أعلم يقينا كل ذلك .. أشعر بمعاناتك التى ظللت تتجرعينها يوما بعد يوم حتى فاض بك الكيل.. لكنك أيتها الجميلة لا تتزينين له فقط..بل تتجملين لنفسك أولا.

ولا أريد أن أصيبك بكبد الحقيقة الذى  لا فكاك منه فأخبرك بأن تلك الأشياء لا تسترعى انتباهه بالقدر الذى تتخيلينه..ليس لأنه لم يعد يحبك أو أنه لم يعد يهتم بك .. بل لأن عالمه الخارجى فى البحث عن الرزق قد شغله عن تلك الأشياء فأصبح لا يهتم سوى “بك”..

نعم أنت فقط دون رتوش أو جمال مصطنع .. أنت بقلبك الوضاء الذى فاق نور البدر جمالا.. لأنه لا يراك فى لون حمرة مصطنعة ولا حذاء فى هيئة ذيل قطة.. ولا حتى بلون شعرك الأزرق .. تلك هى الحقيقة أيتها المتألقة.

  هو يريدك أنت ..أنت فقط ..دون تجمل او ادّعاء أو زيف..أنت المبهرة فى عينيه بردائك المنسدل على ثنايا جسدك فى غير بهرجة او تصنع .. ذاك الرداء الذى يحمل جسدك وكأنه طفل صغير يريد أن يدلل..

 يريدك أنت  برائحة ماء الورد و المسك أو العنبر.. أنت ونعناع فمك لم يغادرك قبل النوم وبعده.. أنت والماء غسولك وطهورك كل ليلة بعد عناء يوم طويل..

أنت وبشرتك الملساء كقطعة حرير خالصة لم تمتد إليها يد التطريز بعد.. أنت الشاعرة الحالمة والعازفة على أوتار قلبه .. أنت الحبيبة والقريبة المدللة لفؤاده والمدَلَلَه..
فكيف لحبيب لا يعتنى بقلب حبيبه ..وكيف بحبيب لا يرى ولا يتنسم كل يوم عطر حبيبه لينسى بين ذراعيه الدنيا وما حوَتْ.

فاطمة المهدي
كاتبة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان