سما قاسم تكتب: خواطري المشوهة

حينَ تُعيدُ شريطَ حياتك في عالمٍ أخر..حينَ تبكي كُل ليلةٍ حتى لا يواسيكَ أحدٌ..تنتظرُ أحدَ أصدقائك ليُخبركَ بأنكَ ما زلت هنا وينتظرُ عودتكَ بفارغِ الصبر. يتبع

من منا لا يحب السفر ورؤية العالم ؟ من منا لا يحلم بالدراسة في الخارج؟ من هذا الأحمق الذي يكره السفر ؟ إنه أنا.

 فلست سوى إنسانٍ عاديٍ يكره السفر والغُربة ولو لوقتٍ قصيرٍ ليس حُباً في وطنه بل كان يكرههُ بشدة بل لكونهِ يحب رؤية الناس حوله دوماً.

فوطنه البائس كان قدرهُ فتحمل بلاءه في صمتٍ ورضا فلديهِ ما يكفي من الناسِ ليهونوا عليهِ عفن وطنه وقذارته؛ ولكن..حين يتغير قدرُكَ فجاة !

 حينَ تُعيدُ شريطَ حياتك في عالمٍ أخر .. حينَ تبكي كُل ليلةٍ حتى لا يواسيكَ أحدٌ..تنتظرُ أحدَ أصدقائك ليُخبركَ بأنكَ ما زلت هنا وينتظرُ عودتكَ بفارغِ الصبر.

 حينها استشعرت ذاك المعنى المؤلم للغربة فهى تلكَ الحياةُ الجديدة التي تُحييكَ من الخارج وتقتُلك من الداخل، فتقتُل مشاعرك وتُميتُ قلبك،وتعودك على الوحدة والاعتمادِ على النفس.

 فها هى سنةُ الحياة التي لم أفهمها ولم أعيها يوماً إلا عندما عِشتها، نسيتُ أنني العابرُ وأبيتُ الرحيل، نسيتُ أني الضيفُ الخفيف ولستُ صاحب البيت.

 لم يُؤلمني أكثر من شقفةِ من حولى حين يُشعرونني بعجزي فكنتُ أُمثلُ القوة واللامبالاة في جسدٍ هشٍّ لا يلتئمُ ألمهُ، فأنا أردتُ اختيارَ الرحيل لا أن أُجبرَ عليهِ ولكن بعد تفكير طويل وصراعٍ مع نفسي رأيتُ فيهِ الخيرَ، رأيتُ حُب اللهِ ليَّ دون أن أدري،علمتُ أن بصيرتي ضعيفة لا ترى الخير في كل شرٍ يحدث لها،علمتُ أن القدر هوَ من يختار ولستُ أنا.

 استشعرتُ أن الله يُريدُني في مكانٍ أخر فيهِ نور لعلي أصلُ بهِ لطريقي،علمتُ حينها أن الحياة ليست عبارة عن أحبابٍ وأهلٍ وأصدقاء نتعلقُ بهم، هى أكبر وأقيم من هذا بكثير، فمكاني ليسَ هنا فأنا لا أنتمي لهذا العالم المُظلم ، أنا أسعى للنور، للسعادةِ الأبدية وأوقن جيداً أنها النهايةُ دائماً وأبداً، ولكن كيف سأصلُ لنهاية تلك الروايةِ المُنتظرة وأنا لم أبدأ بمُقدمتها؟ كيف سأستحقُ تلكَ النهاية وأنا أقفُ موضع المُشاهد أنتظرُ الفرج ؟
سأظلُ أبحث في هذا العالم المُعتم عن طريقي فإن لم أجدهُ فيكفيني شرف المحاولة..

 فكما قال الإمام الألباني رحمهُ الله (ومن مات على الطريق فقد وصل) وهذا ما أنا مؤمنٌ بهِ،ووجدتُ في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أينما وضعك اللهُ أثمر) اختصاراً للغُربة وتأثيراً كبيراً في نفسي، ولكن في لحظاتِ ضعفي المُتكررة لشعوري بالفقد أُصارعُ نفسي ويدور بخاطري الكثير من الأسئلة وأُحدثُ نفسي بقولي :أتتذكروننا كما نتذكركم؟ أتعلمون كم بكينا لرحيلنا عنكم؟..

أعلمُ أنني سأتغير وأنتم كذلك، وأننا لن نبقى كما نحنُ، فبقاءُ الحالِ من المُحال، كل ما أخشاهُ فقط أن يكونَ أملي في لقاءكم ما هوَ إلا محضُ وهمٍ لكي أُكمل طريقي،أن تكونوا أشباه أحبابٍ وأصدقاء منتصف الطريق،أن يكون حديثي الحزينُ معاكم لا يؤثرُ فيكم، أن لا تحزنوا لفراقي كما حزنتُ لفراقكم، أن تفقدوا أمل عودتي وتقولوا للناسِ أنها لن تعود.  

أحياناً أطلبُ من اللهِ أني لا أريدُ أفضل منكم، أريدكم أنتم كما أنتم بكلِ ما فيكم، ولا أُريدُ أياماً أفضل، تكفيني أيامي القديمة معاكم وحسب، فأنتم يا رفاق أو من أُسميهم بهذا كنتم ليَّ الكثير دونَ أن تدروا.

 علمتني الغُربة أنكم لستم معي بكل المعاني وما فيها، ولستُ مقتنعة بقول جلال الدين الرومي بأن (إن فرقوا الأجساد فإن الأرواح تتصل) فأنا أرى أن الأرواحَ تُنسى، ولكن تتصل فأشُك!

 لا يزالُ الطريقُ يا رفاق عبئًا ثقيلاً لا يُزاح، أريدُ أن تخففوا عني نفسي وتشرحوا صدري بوجودكم، أخافُ أن أخبركم بهذا فترحلوا لأبعد مما أبتعدنا، فصمتُّ لعل صمتي يُقربكم ويجعلكم بجواري دوماً، فالابتعاد يقوي الرغبة بالاقتراب.

 لا تظلموني بضحكةٍ بلهاء باهتة في بعض الصور،ففي النهايةِ هى صورٌ لا تمتُ بالحقيقة بصلة فليس كل ضاحكٍ بسعيدِ، لماذا تحسدونني على غُربةٍ لا أريدها ولا بيدي؟

 ليتكم تدرون ما يحدثُ في ليلي لأشفقتم عليَّ، ولكن للأسف أنتم لا تحكمون عليَّ إلا من صورٍ بلا قيمة، فالليلُ من أصعب الأمور اليومية ،فهو دائماً لا يقوى على شيءٍ سوى أن يُذكرني بما أحاولُ نسيانهُ وبتفاصيلهِ الدقيقة!
لا أدري أهوَ الليل فعلاً أم نفسيَ الضعيفةُ المُنكسرة.

فأجدُ نفسي أبكي مُحطماً فرغم كُرهي للبكاء والنحيب إلا أن قلبي ليس ملكي فهو يفعل ما يحلو له دون استئذان، فأبكي لعلني أرتاح وما يُزيدوني سوى ألماً وعجزاً.

أشعرُ بتزاحمٍ شديدٍ بداخلي، تُخالطوني الكثير من المشاعر لا أدري أيها أصدق، أحببت في ازدحامي مع الناس نسياني لنفسي ومشاعري،أما عندما رحلتُ حاصرتني أفكاري ومشاعري وآلامي واختلطت جميعاً في آنٍ واحد، صرتُ مُشتتاً لأبعد الحدود وأظُنني جننتُ، ولكن بعد ما استجمعتُ شتات نفسي أدركت أن طريقي لن يكتمل إلا بي فقط، ففي النهاية هي رحلتي الخاصة وأنا من يتحمل عواقبها لا سوي.

 وسيظلُ يترددُ في عقلي ووقت جزعي وفرحي أني سأكونُ ما يريدهُ الله، سأكونُ ذاك الصالحُ المُصلح في الأرض الذي يسعد اللهُ برؤيتهِ.

 أحياناً أحتاجُ لتلك الكلماتِ التي تتحدثُ عني وتصفُ ما بداخلي في أسطرٍ، ولكن لا أجدُ ما يُكتب..
وكأن الغربة شوهتني نفسياً .. فلم أعد أعرف كيف حالي وبماذا أشعر وكأن “بخيرٍ” هى اختصار لكثيرٍ من المشاعر المتزاحمة، كل ما أعرفهُ أني ما زلت حياً وهذا يكفيني. 

فمهما تعثرت وسقطت فلن أفقد إيماني بنفسي فأنا أعلم أن الطريق سُينير رغم حُفرهِ وثغراتهِ،فأنا لم أُخلق إلا لأصل..هذه بداية النهاية التى أتحدثُ عنها ولا أرغب إلا فيه

سما قاسم

مدونة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان