بين عشية وضحاها تفاجأ العالم بالقرار الروسي والذي يقضي بالانسحاب شبه التدريجي للقوات الروسية التي تتخذ من اللاذقية نقطة انطلاق.. يتبع.

بين عشية وضحاها تفاجأ العالم بالقرار الروسي والذي يقضي بالانسحاب شبه التدريجي للقوات الروسية التي تتخذ من اللاذقية نقطة انطلاق في قصفها الدائم للشعب السوري. قرار جعل الكثير من الأسئلة والشكوك تثار حوله.
وبسبب التحفظ الروسي في التصريحات حول أسباب هذا القرار المفاجئ والتكتم الشديد على السبب الذي حمل موسكو علي ذلك مما يجعلنا أمام شح نسبي للمعلومات والذي لابد أن نتغلب عليه بطرح مزيد من الاستفسارات حتي نستطيع معرفة المقدمات لكي نتوصل إلى نتائج.
أولا الأمر لا يتعدى أن يكون مجرد لعبة سياسية لا علاقة لها بالشعب السوري ولا بإنهاء معاناته وجراحه كما سارع البعض لقول ذلك. لكن أية لعبة يريدها الروس من ذلك وهم يدركون جيدا أن سوريا آخر معاقلهم الميدانية في الشرق الأوسط وأن سقوط بشار بالنسبة لهم هي عملية مغامرة لا يعرف أحد نتائجها، لكن المسلم به أنه لن يكون لهم مكان على المتوسط بفقدانهم لآخر معاقلهم في طرطوس على الساحل السوري، وأن النظام مع إيران وباقي الذيول هما العامل الرئيسي في توجيه أي سياسة لروسيا تجاه المنطقة، وخاصة أن من جلبها لم يطلب منها المغادرة، وهل من المعقول أن يطلب النظام السوري منها الخروج وهي تساعده ليل نهار برا وبحرا وجوا في قتل الشعب السوري والإجهاز على ما تبقي من مقدرات لهذه البلد! وهل أحيطت دمشق علما بالقرار قبل مدة كافية؟ أم هي تكتيكات لشيء ما سيحدث في المستقبل القريب جدا؟ وهل روسيا التي تتجه منذ مدة حول الثنائية القطبية مع أمريكا يمكن أن تتخلى ببساطة عن حلم استعادة الدولة السوفيتية؟ هل لها أن تتخذ قرارا هكذا دونما معرفة تامة بنتائجها وما تريد من خلاله؟
يا سادة أتترك روسيا بشار يسقط هكذا وهي تعلم أن بقاءها في المنطقة مرتبط ببقاء نظام الأسد؟ وهل للقرار علاقة بالمفاوضات التي تجري الآن بين النظام والمعارضة والتي رفض فيها مبعوثو الأسد التفاوض المباشر مع المعارضة؟
يا سادة أتترك روسيا بشار يسقط هكذا وهي تعلم أن بقاءها في المنطقة مرتبط ببقاء نظام الأسد؟ وهل للقرار علاقة بالمفاوضات التي تجري الآن بين النظام والمعارضة والتي رفض فيها مبعوثو الأسد التفاوض المباشر مع المعارضة؟ أم أننا أمام قرار له أبعاد تاريخية وسياسية كبري لا يدرك العرب منها شيئا؟ وهل هي مقدمات أم نتائج؟ دعونا من خلال المعطيات السابقة نحدد الإجابة.
روسيا تعتبر نظام الأسد الحليف الأكثر أهمية لها، ليس في المنطقة فقط بل في العالم، وهي تدرك انحسار دورها في شرق أوربا بعد اختراق حلف الناتو والاتحاد الأوربي حزامها التاريخي والالتفاف على حلف وارسو والانكفاء المتسارع على نفسها في أوربا بعد أن أوصدت أغلب الأبواب عليها، وهي تعلم النظام السوري يشبه عروس المارون في يدها تحركه شرقا وغربا كيفما شاءت تساوم به هنا وهناك وتجعله ورقة لعب رئيسية أينما تحل وترحل، فهل تتركه بهذه السهولة وبسقوطه يعني لها أنها ستتحول إلى دول عادية في العالم، وتنتظر أمريكا لتحدد لها خط سيرها في العالم وأين تتواجد وأين لا تتواجد، وهل إعمالها لآلات القتل والتدمير في سوريا سيضمن لها أن يعيش النظام مدة أطول، لكنها ليست الحياة الأبدية التي تريدها هي، فقد نجحت روسيا في جعل المعارضة تتراجع بشكل نسبي إلى الخلف، وأن تخترقها وتزرع الشقاق بين قادتها، لكنها تعلم أن الحلم بسوريا ديمقراطية حرة هو أمل وحلم لن يموت في قلوب السوريين، وأنه مهما طال الزمان وانقضت الأيام فإنها والنظام إلى رحيل وزوال وانكسار، وأن المجد للشهداء، وستبقى سوريا لأبنائها الذين رووها بدمائهم الزكية، وأن الخزي كل الخزي لمن خذل سوريا وشعبها ودمر أحلامهم ومقدراتهم، وروسيا على يقين من ذلك، متأكدة مثلما أن الجميع على ثقة من أن الليل لابد له أن ينجلي، وحين ذلك سيتحول نهار روسيا إلى ليل دامس وتصبح بلا قيمة أو وزن في مكان بالعالم، بل من الممكن أن نشاهد شعبها على قادة الخزي والعار يثور، فالسياسة التخريبية من جانب روسيا، والخبيثة من جانب الغرب، نعلم أنها تريد ديمومة البقاء في سوريا والمنطقة، وهذا لن يتأتى إلا من خلال بقاء الاسد ونظامه في الحكم، ففكرت وأمعنت وكتبت وحررت ثم بيضت وسودت ثم اختارت أسوأ قرار وأقصى دمار، اختارت تقسيم سوريا نعم، وهل يمكن لروسيا ترك سوريا بهذه البساطة لكم؟ لا.. لا يمكن، وأن الأمر خطب جلل.
روسيا لم ترحل قواتها من سوريا، بل جلبت روسيا الدولة إلى سوريا لتبقى إلى أجل غير مسمى، وهل صدقتم أنه انسحاب أو ترحيل؟ بل هو جلب وتدمير، فروسيا اشترت من غير أن تدفع مال بقائها المستدام في سوريا
روسيا لم ترحل قواتها من سوريا، بل جلبت روسيا الدولة إلى سوريا لتبقى إلى أجل غير مسمى، وهل صدقتم أنه انسحاب أو ترحيل؟ بل هو جلب وتدمير، فروسيا اشترت من غير أن تدفع مال بقائها المستدام في سوريا، وأحيطت أمريكا وإيران بالقرار مثلما أحيطت روسيا بسايكس بيكو من قبل بين بريطانيا وفرنسا، وسوريا لم تعد تحتمل أكثر من ذلك بعد أن أصبحت وأصبح العرب معها ألعوبة في أيدي أمم الأرض قاطبة.
نعم تقسيم سوريا أصبح على بعد خطوات قليلة، سايكس بيكو جديد لن يقتصر على سوريا بل الهلال الخصيب هو البداية، أو لافروف- كيري هو الاسم في الأدبيات التاريخية القادمة، لكن أين نحن العرب مما يحدث لنا ولبلادنا؟ وهل أبلغت الدول العربية الكبرى بما يجري؟ وحينها سيكون الخزي لهذه الدول ولتلك الأنظمة مما اقترفته في حق الشعوب.
وإذا كان الشريف حسين وأولاده التمس البعض لهم العذر في بدايات القرن العشرين، في عدم معرفتهم باتفاق سايكس بيكو، وقيل إنهم خدعوا كغيرهم من العرب، لكن هل سيلتمس العرب العذر لهذه الأنظمة وهي تعلم ومتأكدة مما يجري، أم أن الأمر لا يهمهم؟ ولسان حالهم يقول ما الخوف أن تقسم سوريا إلى أشلاء؟ وتفكيرهم السطحي ينبئهم أن النزاع سينتهي إلى الأبد إن قسمت سوريا. أنتم مخطئون. وهل انتهي عندما قسمت السودان؟ ومنذ متي جلب الغرب منافع لنا، وهو يريد أن تبقى الطائفية ويبقي القتل والدمار لتنعم إسرائيل بكل استقرار، وليكون بداية مشروع جديد؟ الأمر لا يحتاج إلى تدقيق وإمعان نظر، وهل إفشال جلسات الحوار بين النظام والمعارضة على الدوام إلا عمليات فرض واقع، وأوربا قد ضاقت ذرعا من قضية اللاجئين، وأمريكا تنظر من الباب الصغير، وهي توجه وتشير، ويا ليت قومي يعلمون أن الامر مقدمات لتقرير نتائج.
كاتب وباحث مصري
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
