مع كل هجوم إرهابي تسيل دماء فتكتب سطورا عنوانها وحدة الشعب التونسي بجميع أطيافه و فئاته أمام طاعون الإرهاب الذي تفشى في معظم الدول العربية ليقسمها.يتبع
![]() |
| محمد فضل / مدون تونسي |
مع كل هجوم إرهابي يستهدف البلاد التونسية، تختلط دماء الجنود و الأمنيين البواسل بدماء المواطنين الذين وقفوا صفا واحدا إلى جانب أفراد المؤسسة العسكرية و الأمنية، دماء تسيل فتكتب سطورا عنوانها وحدة الشعب التونسي بجميع أطيافه و فئاته أمام طاعون الإرهاب الذي تفشى في معظم الدول العربية ليقسم بعضها و يهتك اقتصاد الأخرى.
و لعل صور المواطنين الذين ملأوا مستشفى جرجيس للتبرع بدمائهم من أجل المصابين من القوات التي واجهت عملية بنقردان الأخيرة هي خير دليل على هذه الكلمات. و لكن، مع كل عملية تستهدف الأراضي التونسية يجد التونسيون أنفسهم أمام هجمة إرهابية -كما سماها رواد مواقع التواصل الإجتماعي- من نوع آخر، هجمة أبطالها إعلاميون و صحفيون و محللون و خبراء و أساتذة جامعات و مسرحها القنوات التلفزية التونسية.
شهدت تونس يوم الإثنين 7 مارس 2016 هجوما إرهابيا غير مسبوق إستهدف مدينة بنقردان الواقعة جنوبي البلاد، و حسب بيان لوزارتي الدفاع و الداخلية فإن المعركة المسلحة التي بدأت فجرا قد أسفرت عن مقتل 36 مسلحا و اعتقال سبعة في حين قتل عشرة أمنيين و جندي و سبعة مدنيين. و تعتبر هذه الحصيلة الأسوأ في هجوم واحد منذ الثورة التونسية.
و كرد فعل على إثر هذه العملية عبر التونسيون بمختلف توجهاتهم عن تضامنهم مع قوات الأمن و الجيش اتفقوا تلقائيا على نبذ الإرهاب و ضرورة الوقوف وقفة رجل واحد حتى لا ينجح المتربصون بثورة التونسيين في بث الفتنة و التفرقة بين أبناء الشعب الواحد. إلا أن ما يسمى بالنخبة المثقفة التونسية كعادتها لم تنسج على منوال المواطنين و وجدت في هذه العملية فرصة كسابقاتها لتصفية الحسابات السياسية و بث الفتنة و الاصطياد في الماء العكر.
فأطلقوا العنان لكلماتهم و أفكارهم الدفينة المرعبة و انبرى كل واحد منهم يلقي التهم جزافا على خصم سياسي أو وسيلة إعلامية. كان الأمين العام المساعد في اتحاد الشغل بلقاسم العياري أول من سعى إلى استغلال ما حدث فدعا عبر تدوينة على صفحته على الفيسبوك إلى طرد قناة الجزيرة مشيرا إلى أنها بصدد تقديم معطيات تخص الأمن التونسي و الوضع العام في بنقردان و ذلك على خلفية تغطية القناة لما حصل.
يجدر الذكر أن قناة الجزيرة كانت كالعادة سباقة إلى نقل الأحداث لحظة بلحظة فيما كانت جل القنوات التونسية غارقة في سبات عميق فواصلت بث رسوم متحركة و مسلسلات تركية.
كانت قناة الجزيرة أيضا هدفا للإعلامي التونسي برهان بسيس الذي انتقد استعمال القناة لعبارة “مسلحون” عوضا عن “إرهابيون” ملمحا إلى علاقة القناة بما يحصل من حروب في المنطقة.
إلا أنه تجاهل عمدا استعمال كبرى القنوات الإخبارية العربية لنفس المصطلح و متناسيا دور القناة في إنجاح الثورة التونسية ؟
للتذكير فإن هذا الأخير قد ظهر إبان الثورة في برنامج الإتجاه المعاكس كمدافع شرس على نظام بن علي. كذلك فعل الصحفي التونسي زياد الهاني فكتب أن “غلق مكتب قناة الجزيرة أصبح قضية أمن قومي..
” أما الأستاذة الجامعية ألفة يوسف فقد صوبت سهامها كعادتها نحو الإخوان المسلمين و تحديدا حركة النهضة و”أذنابها” على حد تعبيرها من مدافعين عن حقوق الإنسان و محامين و قضاة فحملتهم مسؤولية الدماء التي تراق و كتبت أن قائمة الضالعين في ما يحدث لها عنوان واحد و هو “الإخوان و أذنابهم و أذيالهم”.
لم تفوت القنوات التلفزية التونسية أيضا هذه الفرصة ففتخت أبوابها أمام أسطول المحللين و الخبراء و السياسيين و الإعلاميين من سيئي السمعة و المعروفين بموالاتهم للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ليفرضوا وصايتهم على المشاهدين ولينتقموا من خصومهم وليصدروا الأزمة إلى الساحة السياسية وليصفوا حساباتهم مع الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
و كان الإعلامي لطفي اول من سعى إلى الإفصاح عن حلمه في تخليص أدوات القمع من براثن القانون و القيم الإنسانية و قال حرفيا ” افراد جماعة حقوق الإنسان أسقطوا بن علي” في إشارة إلى مؤامرة حيكت ضد الرئيس المخلوع .
و لم يكتف بذلك فلمح إلى ارتباط الثورة بالإرهاب و براءة الشعب منها فقال “و اليوم يريدون إسقاط الدولة”. إشتركت جل البرامج التي خصصت لحادثة بنقردان في تجريم المحامين و القضاة معتبرين أن حقوق الإنسان و العدالة و القانون ترهات لا مكان لها في تونس الثورة حين يتعلق الأمر بالإرهاب.
للتذكير فإن هذه ليست الهجمة الأولى التي تستهدف المحامين و القضاة و الناشطين في مجال حقوق الإنسان فهم يتعرضون بشكل دوري لشتى أنواع التشويه و التخوين من قبل ضيوف الإعلام التونسي أبرزهم وزير التربية و التعليم التونسي “ناجي جلول” حين تهجم على القاضي أحمد الرحموني متهما إياه بتبييض الإرهاب لمجرد رفض الأخير للتعذيب في السجون التونسية.
وأخيرا، و في لقطة تذكرنا بإعلام الانقلاب المصري و على طريقة أحمد موسى، صرح الخبير الأمني مازن الشريف على إحدى القنوات التونسية أن “هوليود” هي مركز مخابرات يقوم من خلال الأفلام التي ينتجها بتمرير رسائل لما أسماه “التنظيم” الإرهابي الدولي.وقال أن فيلم “جيمس بوند” الأخير قد بعث برسالة مفادها أن عمليتين إرهابيتين ستستهدفان تونس و إسبانيا..
محمد فضل الله الزغلامي
مدون تونسي
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

