محسن أبو حسان يكتب: سياسة التهجير وشغل الطراطير

للأرض نكهة لا يعرفها إلا من عشق ترابها وامتلأت رئتيه من نسيم هوائها فتنكر كل نسيم لم يأت من جهتها وتختنق بالهواء ما لم يكن هوائها.يتبع

للأرض نكهة لا يعرفها إلا من عشق ترابها وامتلأت رئتيه من نسيم هوائها فتنكر كل نسيم لم يأت من جهتها وتختنق بالهواء ما لم يكن هوائها.

إن أكثر الأمور قسوة ومرارة في الحلق وكمدا للنفوس هي تلك التي يتعرض فيها هذا المواطن العاشق لأحداث تجبره على ترك موطن صباه وشريان حياته وجذور تاريخه والانفصال عنها قسرا؛ تلك الجذور المتعلقة بالزمان والمكان: لون السماء, طعم الماء, مقعد درسنا عليه, ومسجد صلينا فيه, النخيل والزيتون الذى تغلغلت جذورهما في أعماق قلوبنا قبل أن تصل إلى باطن أرضنا.

أن نُقتلع من هذه الجذور هذا هو البلاء العظيم والكارثة العميقة، ولكن هذا أيضا ما لهجت به ألسنة الأذرع الإعلامية، وطراطير النظام الحاكم في مصر، وكثير هم من يروجون لهذه السياسة.  فهل هي مجرد آراء شخصية لإعلامي أو (نائب) أم أنها سياسة نظام وتوجه دولة؟!

إن الواقع والأحداث في سيناء تأبى أن تكون هذه مجرد آراء وأفكار لأن بالفعل سياسة التهجير في سيناء تجرى على قدم وساق؛ بل لعل التهجير هو الإنجاز الأكبر لهذا النظام في سيناء.

فإن لم يكن قطع الماء والكهرباء عن المدن بالشهور تهجيرا فماذا يكون؟!

إن لم يكن إغلاق الطرق وحظر التجوال طوال اليوم تهجيرا فماذا يكون ؟!

إن لم يكن قطع الأشجار وقتل الحيوانات وإحراق السيارات (سبل العيش) تهجيرا  فماذا يكون؟!
إن لم يكن طرد المواطنين من منازلهم وإجبارهم على إخلائها ثم تفجيره تهجيرا فماذا يكون؟!

إن لم يكن القصف العشوائي للمنازل وإحراق عشش الفقراء تهجيرا فماذا يكون؟!

إن لم يكن التحرش والاعتداء على أعراض النساء في نقاط التفتيش تهجيرا فماذا يكون؟!

إن لم يكن قتل الأطفال والأبرياء تهجيرا فماذا يكون؟!

كل هذا وأكثر موثق ومعلوم للقاصي والداني. كل هذا وأكثر حقائق ترويها نظرات الخوف في عيون الأطفال وترويها دموع أم فقدت ابنها قتيلا أو زوجها سجينا. كل هذا وأكثر يحدثك عنه أشجار زيتون محروقة ورمال مضمخة بدماء الأبرياء تحدثك أطلال المساجد والمدارس والمنازل؛ لعل أذن تسمع، أو قلب ينبض، أو قلم بالحقيقة ينطق لكن هيهات.

ما زال المغيبون في  جب النظام وظلماته  يتحدثون عن الإجراءات الأمنية والحرب على الإرهاب وهذه الإسطوانة التي أصبحت محروقة سوداء بلون اليل في سيناء.

فالجميع يعلم أن كل يوم يمر تزداد هذه الإجراءات والانتهاكات  وفى المقابل يزداد موقفكم ضعفا أمام المسلحين فلم تغن عنكم هذه الإجراءات من شئ بل زادت الطين بلة.

فلو أن نصف ما فعلتموه بالأبرياء في سيناء كان موجها للمسلحين لم يبق على أرضها مسلح واحد.

فالآن مهما امتلأت  شاشات البرامج بخبراء الأمن والاستراتيجيات يتحدثون عن استحالة تهجير أهل سيناء وأن سيناء في القلب (والكلام اللي بالك فيه)، فلن يصدقهم أحد لأن الواقع أصدق، الواقع يقول إن أهل سيناء تم تهجيرهم ويهجرون وسيهجرون.   

وهذا ينقلنا إلى نقطة مهمة وهى أن كثيًار ممن انبروا للدفاع عن سيناء ضد (فكرة) التهجير، كثير منهم لديه انفصام عجيب ومركب. ففي الوقت الذى يرفض فيه التهجير كفكرة ويفرد عضلاته في مختلف المحافل، لا يرفض واقعا يعيشه بل لا يعارض إجراءاته وقد يكون لديه أدوات سياسية أو قانونية لم نره استخدم شيئا منها في وقف الانتهاكات التي ذكرناها أو حتى الحديث عنها -واتحداهم-؛ بل يزيد الانفصام تعقيدا أنهم يهللون ويطبلون لهذا النظام الذى يقوم بهذه الانتهاكات في حق سيناء وأهلها ويتزلفون لديه وينسجمون في مؤسساته ويتغنون بإنجازاته، أي انفصام هذا؟!  قد ابتلينا بهؤلاء أكثر من تلك النكرات التي تدعو للتهجير، لأن هؤلاء ينقلون القضية من واقع مرير نحياه إلى مجرد نقاش أفكار وتبادل رؤى على شاشات البرامج، فلا تعجب إن رأيت الأمر يزداد سوءا.

نعم يؤسفني أن أقول لكم إن الأمر سيزداد سوءا في الأيام المقبلة، إن لم يرحمنا ربنا- لن يقتصر التهجير على مدينتي رفح والشيخ زويد بل سينتقل تدريجيا إلى باقي مدن سيناء وما حادثة (كمين الصفا) منكم ببعيد فقد تم إخلاء المنطقة المجاورة من سكانها ولن يعدم في كل مرة حادثة أو حجة يبرر بها إخلاء او تهجيرا جديدا.  

والسؤال لمصلحة من يتم هذا التهجير؟!، هذا ما نتكلم عنه المرة القادمة إن شاء الله.

محسن أبو حسان
نائب سابق بالبرلمان المصري عن شمال سيناء

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان