نبيل ينسي يكتب: المستبد وطرق توجيه المجتمع

المستبد هو من يشكل اهتمامات الفرد وطريقة تفكيره، وهو من يحدد كيف يكون الفرد وطنيًا وكيف يكون عميلاً، وهو من يملك مؤسسات الدولة فبالتالي لن يمر إلى من يؤصل له ولشرعيته. يتبع

تعد الثورة الفرنسية هي من افتتحت عصر الجماهير وأدت إلى تزايد دور الشعوب في ساحة الفعل، بعدما كانت مقتصرة على نخبة صغيرة هي التي تدير المجتمع حسب أفكارها وتوجهها ومصالحها الشخصية، مما دفع الحكام المستبدين إلى ترويد هذه الجماهير وتوجيهها الوجهة التي لا تتعارض مع مصالح النخبة الحاكمة، والحقيقة أن المستبد لم يترك وسيلة إلا وتم اللجوء إليها في سبيل الحفاظ على ملكه، ولا يهم بعدها إن ترك المجتمع فقيرًا أو غنيًا جاهلاً أو متعلمًا.

#لاعقلانيات الجماهير

ينطلق المستبد من مسالمة أصيلة وهي عجز جماهير الشعب عن التفكير بطريقة سوية؛ فهي لا تعرف تفكيرًا نقديًا وتفسيرًا وتحليلاً للمواقف، ومحاكمة الأفكار الوردة من الخارج، ورؤية الفوارق والتناقضات، وفي هذا الصدد يقول نابليون بونابرت لم أستطع إنهاء حرب الفاندي إلا بعدما تظاهرت بأني كاثوليكي حقيقي، ولم أستطع الاستقرار في مصر إلا بعدما تظاهرت بأني مسلم تقي، وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا، هذا هو حال العوام على مر العصور وفي كل الطبقات و الأعراق، والسبب الأساسي في معاناة الشعوب هو في طريقة تفكيرهم.

#تزييف الحقائق

الحرب هي السلام، العبودية هي الحرية، الجهل قوة. جورج أورويل.

قلب الحقائق وتفريغ الكلمات من مضمونها سمها ما شئت، وبما أن الشعوب غالبًا لا تعقل فيسهل على ديكتاتور تلقين شعب ما شاء من أفكار ومفاهيم، منذ كنا صغارًا من تلك المؤسسة الصغيرة التي تسمى المدرسة، فيكبر المستبد في ذهن الأطفال ويتقزم الشعب، ويطغى فرد على أمة وبعدها يأتي دور النخبة المثقفة، من إعلاميين وسياسيين  وكتاب ورجال الدين وفلاسفة لنحر الوعي باسم تنوير، حتى إذا نزل المطر فبفضل الزعيم القائد، فإذا لم ينزل لم ينزل لأننا سيئون، كل الوطن يختزل في فرد، بل الشعب والوطن في خدمة الفرد ولكن تحت مسمى مزيف.

#طرق نشر الأفكار في المجتمع

توجد ثلاث طرق لنشر الأفكار في وسط المجتمع، وهي التكرار والتوكيد والعدوى، ويعد أدولف هتلر هو أول من تلقف هذه الأساليب الثلاثة، فيبدو أسلوب التكرار واضحًا في كل خطاباته، فهو لا يمل ولا يكل من تكرار الجمل نفسها مرات ومرات، والتوكيد عليها دون الحاجة للاستدلالات المنطقية والمحجات العقلية، فأما أسلوب عدوى الأفكار يعد الربيع العربي الذي اجتاح المنطقة، أهم مثال على ذلك  فبمجرد أن انهار نظام المستبد التونسي حتى تبعه موجة من تظاهر في مصر وليبيا والمغرب والبحرين واليمن، وهذا ما يفسر لنا إنفاق بعض الدول ملايين الدولارات لوأد هذه الثورات، الخوف من عدوى الأفكار فالأفكار كالأمراض معدية.

 

وهناك أسلوب آخر وهو حجب معلومات وتمرير معلومة أخرى، فبذلك يتم تحكم في صورة ذهنية للمجتمع، فتسهل السيطرة عليه وتوجيهه نحو الهدف، وهناك أسلوب آخر هو التلقين؛ فالفرد الملقن لفكرة ما يصعب زحزحته عنها، ومشكلة هذا النوع أخطر من سابقتها فهو لا يعلم أنه لا يعلم.                                     

المستبد هو من يشكل اهتمامات الفرد وطريقة تفكيره، وهو من يحدد كيف يكون الفرد وطنيًا وكيف يكون عميلاً، وهو من يملك مؤسسات الدولة فبالتالي لن يمر إلى من يؤصل له ولشرعيته.

وكل حاكم مستبد له نخبة فاسدة هي التي تشكل وعي المجتمع واهتماماته، وهي التي تشكل ما يسمى بالرأي العام والذوق العام، فتعتبر هي الحكومة الحاكمة فعليًا وأية سيطرة عليها فهي سيطرة على المجتمع.

الإعلام في داخل أرض المستبد لم يعد دوره نقل الخبر بل انحرف عن دور المنوط به، إلى العبث بخيال المجتمع وأضحى أداة من أدوات القمع في يد المستبد يوجه أفكار المجتمع كما يشاء.

فحق لنا أن نشك في كل ما حولنا، ومن العوائق التي تزيد من صعوبة تحرر المجتمع من شراك المستبد هي أن العلماء يتم صناعتهم أو استقطابهم من قبال المستبد وأول خطوة للتحرر تبدأ بتعميم العلم أولاً، والعلم الذي له علاقة بمحاكمة الأفكار الواردة من الخارج كالمنطق وطرق البحث العلمي، وبهذا يتم قطع الطريق على فرعون وأعوانه.

نبيل ينسي
مدون مغربي

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها