كريم درويش يكتب: الألم والأمل

إذا وصل شخص إلى حالة فقدان الأمل، فإنه يتعثر عليه الخروج من هذه الحالة دون مساعدة خارجية. استخدام التقريع والتأنيب ضد هذا الشخص قد يؤدي إلى نتائج سلبية.يتبع

أجرى الباحثان سيلغمان وماير (Seligman and Maier) تجربة رائدة في 1967 تعنى بزرع الإحباط أو الأمل لدى الكلاب. أجريت التجربة على مرحلتين. في المرحلة الأولى قسم الكلاب إلى ثلاث مجموعات كالآتي:

· المجموعة الأولى تم حبس كل منها في قفص ثم أطلق سراحها.

·  المجموعة الثانية تم حبس كل منها على حدة في قفص مشابه، وتم إطلاق صعقة كهربائية لا تتوقف إلا إذا دفع الكلاب عصاة داخل القفص. عندما تطلق أول صعقة تسعى الكلاب لإيقافها (أو الهروب) وتتعلم الكلاب سريعا كيفية دفع العصاة للتخلص من الكهرباء.

· المجموعة الثالثة تم حبس كل منها على حدة في قفص مشابه، وتم إطلاق صعقات كهربائية متقطعة لمدد متفاوتة دون أي سبيل للكلاب للتخلص منها. عندما تطلق أول صعقة تسعى الكلاب لإيقافها أو الهروب، ونظرا لعدم وجود أي وسيلة لذلك، تظهر علامات الاستسلام للأمر الواقع على الكلاب ويكفون عن البحث عن طريقة للتخلص من الكهرباء.

في المرحلة الثانية، يوضع كل من الكلاب (على حدة) في صندوق مفتوح من فوق، ثم يتم كهربة أرضيته. كان رد فعل الكلاب لكهربة الأرضية كالآتي:

· كلاب المجموعة الأولى والثانية قفزوا فورا من الصندوق.

· كلاب المجموعة الثالثة لم يحركوا ساكنا، بل ظلوا يتأوهون في الصندوق المكهرب، دون أن يحاولوا القفز خارج الصندوق!

أسست هذه التجربة لما يسمى في علم النفس بـ ”فقدان الأمل المكتسب” (learned helplessness) ، حيث تتم التهيئة النفسية للكلب ليفقد الأمل في التغيير فيستسلم للأمر الواقع ولا يحاول تغييره، ولا يسعه سوى التأوه والشكوى!

السؤال الذي حاول الباحثان الإجابة عنه هو: هل هناك طريقة لحث الكلاب في المجموعة الثالثة للقفز خارج الصندوق؟ اهتدى الباحثان لأسلوب ناجع لتعليم هؤلاء الكلاب عن طريق إمساك أرجل الكلاب وتحريكها لمحاكاة القفز خارج الصندوق. بعد الأخذ بأرجل الكلاب لمرتين، أصبح كلاب المجموعة الثالثة يبادرون للقفز خارج الصندوق عند كهربة أرضيته.

هل هذه النتيجة خاصة بالكلاب؟ الإجابة: لا. أجرى باحثون آخرون تجارب مشابهة على حيوانات أخرى، بل وعلى أطفال وعلى أناس بالغين، والنتائج كانت مقاربة جدا لما تم ملاحظته مع الكلاب!

عندما يصل مجتمع إلى حالة من حالات فقدان الأمل المكتسب، فغالبا ما يعجز عن الخروج من هذه الحالة، حتى وإن كانت الظروف مواتية لخروجه أو عدم وجود عوائق لذلك، بل يستسلم لوضعه القائم وتستمر مأساته. قد لا يتسنى له الخروج من هذه الحالة دون مساعدة خارجية أو إعادة تأهيل أو إبراز مثال عملي لكيفية الخروج. وهذا ما قد يحتاج إلى جهد ووقت ليحدث. وفي نهاية الأمر: إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.

وماذا بعد؟

التجربة المذكورة لها تبعات كثيرة على السلوك، نظهر بعضها هنا:

·إذا وصل شخص إلى حالة فقدان الأمل، فإنه يتعثر عليه الخروج من هذه الحالة دون مساعدة خارجية. استخدام التقريع والتأنيب ضد هذا الشخص قد يؤدي إلى نتائج سلبية مثل التبلد أو الاكتئاب أو العزلة أو ربما دفاع الشخص عن وضعه المزرى أو توقفه عن الاستماع تماما! فكر في خطب الجمعة التي كثيرا للأسف ما نسمع فيها أشياء مثل: “المسلمون يذبحون في كل مكان”، “وكلنا عصاة لا أمل فينا”، أو تعرض عرضا وافيا للمآسي التي نعيشها دون تقديم أي حلول عملية ولا تعطي بصيصا من الأمل. فكر في الأب أو الأم الذين يقرعان أحد أبنائهما لتأخره في الدراسة واستخدام ألفاظ مثل: “أنت فاشل” أو “ليس فيك فائدة” أو “أنت حمار”! مثل هذه الخطب البائسة أو التقريع المؤسف لا يستحث المستمع للحركة بل للاستسلام الكامل!

·  ماذا لو أردنا أن نعين شخصا وصل إلى حالة فقدان الأمل، ماذا نفعل؟ الإجابة عن هذا السؤال معقدة، ولكن هناك أمران ضروريان:

  أولهما أنه يجب علينا أن نحدد أهم الأشياء التي يجب تغييرها والتركيز عليها. محاولة معالجة أشياء عديدة في نفس الوقت ليس صعبا فحسب، ولكن قد يؤدي إلى مزيد من التأزم. كما تم تحريك أرجل الكلاب لمحاكاة حركات هروبهم من الصعقات الكهربائية، يجب أن نحدد أهم سلوك يجب تغييره أولا، حتى وإن غابت القناعة، لأن القناعة كثيرا ما تتبع السلوك. على سبيل المثال، إذا كان ثمة شخص كثيرا ما يفوته صلاة الفجر، فربما يكون أهم سلوك يجب تغييره هو النوم مبكراً. إذا كان هناك شخص يعاني من ارتفاع ضغط الدم ويجب عليه التقليل من الملح ولكنه يكثر من أكل المخللات، قد يكون منع المخللات من المنزل هو أهم شيء يجب فعله، أو استبدالها بمخللات تم تخليلها بالخل بدلا من الملح. المحك هنا هو التعرف على السلوك الذي له أكبر تأثير إذا تغير.

 

  ثانيهما الأخذ بيد الشخص في مرحلة التغيير من خلال:

 إقحامه في تجربة التغيير. على سبيل المثال لو كان هناك طفل يرفض تجربة أي طعام جديد، فقد يكون الحل هو الإصرار على أن يتذوق الطفل الطعام، ثم يترك له حرية أكله أم لا بعد التذوق.

  وضع الشخص وسط أشخاص يمارسون السلوك المرجو. على سبيل المثال وضع الطفل الرافض للطعام الجديد وسط أطفال يأكلون من هذا الطعام.
  عرض قصص أو مشاهد مصورة لأشخاص يمارسون السلوك المرجو. على سبيل المثال يتفرج الطفل الرافض للطعام الجديد على فيديو لأطفال يأكلون من هذا الطعام ويظهرون الاستمتاع به.

الخلاصة أن الخروج من حالة فقدان الأمل تحتاج إلى صبر وترتيب للأولويات ومساعدة وربما تدرج. التقريع

والتأنيب غالبا ما يزيدان الأمور تفاقما ولا يصلحان السلوك.

كريم درويش

كاتب ومدون مصري


المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان