هدى التوابتي تكتب: رسالة إلى أسير(2)

جاء العيد ياصديقي ومازالت رسائلك تتوالى من خلف الزنازين تخبرني عن أمانيك بالخروج، ورؤية فرحة العيد في أعين أطفالك وأنت بجوارهم.يتبع

جاء العيد ياصديقي ومازالت رسائلك تتوالى من خلف الزنازين تخبرني عن أمانيك بالخروج، ورؤية فرحة العيد في أعين أطفالك وأنت بجوارهم.

أرسلت تخبرني أن العيد بالنسبة لك أصبح الدقائق التي تلثم يد أمك فيها، وترى فستان صغيرتك الجديد، وتشاهد صغيرك يقص عليك عن لعبته التي في الغالب سيمنعه السجان من إدخالها خوفًا من خطرها على أمن السجن..!

اتعجب من كلماتك التي ترسلها لي دومًا عن الصبر والإيمان، والصمود أنت من خلف القضبان ترسل لي تلك الكلمات، تذكرت كلمات أسير سابق لدى أحد الطغاة، ردًا على تسائل رفيق له حول هل ما زال يؤمن بالله بعد ما أصابه من ظلم فقال : “نعم، ببساطة لا يمكنني أن أعبر هذا العالم الوحشي وحدي”.

اتعلم ياصديقي، صادقًا أننا لا نستطيع أن نعبر تلك المحن دون الإيمان، الإيمان الذي يمدنا بالأمل في العدل، والحرية،وغد أفضل، كل يستمد قوته من إيمانه ياصديق وإن كان كافرًا.. هذا يؤمن بمبادئه، ونحن نؤمن بمن وضع تلك المباديء كأساس للحياة، شتان.. ولكنها قوة تحرك كلينا.

خشيت كثيرًا أن أخبرك يارفيق أنني غادرت، وتركت الأرض التي جمعتنا يومًا ما، لا أدري أنقص إيماني وقدرتي على الثبات مثلك، فآسرت السلامة أم أنني أبحث عن آفاق أوسع لنصرتك.

أنا ياصديقي لست مجاهدًا يحمل سلاحه ليواجه الطغاة، ولست برجل ميدان وساحة، أنا ساحتي قلمي وكلمتي أجاهد بها في أي موضع، وكلما كان الموضع أرحب كانت كلمتي موجعة أكثر.

أرى في عينيك نظرة العتب، والحزن، أتعتقد أنني خنتك، أنني تركتك وحيدًا للقضبان، وآثرت الهروب..!

لا أستطيع لومك ياصديقي، لا استطيع أن أدافع عن نفسي بالكلمات المنمقة، والشعارات البراقة، أُصدقك إن قلت أن اليأس أصابني كثيرًا حتى كاد يقتلني، ولكنني أقف ثانية من أجلك أنت، أنني وإن هربت من العالم أجمع، لا أستطيع أن أهرب من حقيقة حرمانك من الحياة، ظلمًا، وانتظارك لنا لنحررك.

ستعود ياصديقي، ستعود لدارك وأهلك، وسأعتذر لك كثيرًا، وابحث عن الحجج كثيرًا، التي قد تقنعك وقد تبتلعها مبتسمًا حفاظًا على ما بيننا من ود، ولن تعلم أن إحساسك بأنني خذلتك يقتلني كل يوم، يقتلني وأنا المرفه بين جدران الحرية.

لن أقول لك سامحني فما عادت الأوطان لنا، وما عاد لنا فيها مكان، لن أخبرك أن أقلامنا كٌسرت، وأن الوطن لم يعد يُحب سوى الطغاة، سأخبرك فقط أنني سأنتظرك، وأن سلاحي سيدافع عن حقك في الحياة مادمت أتنفس..

عدني ياصديق حينما تخرج، وتدون ما رأيت لأطفالك أن لا تجعلني في الجانب المظلم، وأن تلتمس لي العذر، أو أن تغفلني تمامًا كما تغافلنا الوطن معًا، ووضعنا في غياهيب البعد والحرمان.

أتعلم حين أقرأ رسائلك لصغارك، أبكي كثيرًا، أبكي حُبًا قٌتل ظلمًا، حُبًا يقطر في كلماتك لأطفالك ورفيقتك، حبًا لوطنك ولدينك، اتعلم ما جرمك، ولم سجنوك ؟

سجنوك بتهمة الحب ياصديق، لأنك تجرأت واحببت الوطن، وترابه، وخيره، لأنك أحببت غدك وأحببت أطفالك وأردت لهم الخير فحسب..

عدني يارفيق أن لا تكسرهم أنت، عدني أن تظل كما أنت، لا تتغير من أجلهم، كن كما أنت من أجل اطفالك ورفاقك وروحك الحرة..

هدى التوابتى

مدونة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان