أمر مفهوم أن تعرب الولايات المتحدة الأمريكية عن تخوفها من إجراءات انتقامية قد يتخذها أردوغان في حق جماعة فتح الله غولن الانقلابية. يتبع

أمر مفهوم أن تعرب الولايات المتحدة الأمريكية عن تخوفها من إجراءات انتقامية قد يتخذها أردوغان في حق جماعة فتح الله غولن الانقلابية خاصة بعد حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت أفرادها.
فالحكومة التركية لم تخصص للمعتقلين ممن حاولوا الزج بها داخل نفق مظلم, لا مخرج منه, لم تخصص لهم سجنا كبيرا على إحدى الجزر النائية، لم تُلبسهم ثوبا برتقاليّ اللون ولم تغمض أعينهم، لم تجبرهم على الجلوس بالساعات تحت أشعة الشمس الحارقة ولم تطعم المضربين عن الطعام منهم كرها، لم تعلّق أيّ أحد منهم عاريا لمدة ثلاثة أيام كما فعل حرّاس غوانتانامو مع ماجد خان ولم تطلق عليهم كلابا شرسة.
فبهذه المشاهد فقط يهنأ بال أمريكا. أمر طبيعيّ أيضا أن تعرب فرنسا عن قلقها من ردّة فعل أردوغان تجاه من صوّبوا أسلحتهم نحو صدور العزل من أبناء الشعب التركي الذين هبّوا للدفاع عن مدنيّة دولتهم.. فالحكومة التركية لم تشرف على جرائم إبادة في حق جماعة غولن كما فعلت الحكومة الفرنسيّة ممثلة بجشيها حين أشرفت و خططت ومهدت الطريق للمليشيات في مالي فأحرقت الجثث و قطعت الرؤوس و كسّرت الجماجم و هدّمت المنازل و المساجد و دنّست المصاحف.
ثمّ إنّ الأمن التركي لم يغتصب الأطفال كما فعل الجيش الفرنسي عام 2014 حين اعتدى أفراده جنسيا على عشرات الأطفال في أفريقيا الوسطى خلال عملية سنغاريس، مقابل الغذاء أو تحت التهديد.. فبمثل هذه الجرائم يهنأ بال فرنسا.
أمر متوقّع أيضا ألاّ تتخذ مصر موقفا واضحا ضدّ محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا وأن تعرقل إصدار بيان لمجلس الأمن الدولي يدعم الشرعية في تركيا وأن تعترض على عبارة تصف الحكومة التركية بالحكومة “التي وصلت إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية”.
فالحكومة التركية لم ترتكب المجازر في الميادين ولم نسمع عن حالة تعذيب واحدة في حقّ المعتقلين ولا حالات اختطاف أو اختفاء قسريّ كتلك التي يتعرّض لها المصريون و لم نر تحريضا على السحل و القتل على شاشات التلفزيون. ثم إن القضاء التركي ليس به قاض كسعيد صبري ولا وزير كأحمد الزند ولا يوجد في تركيا إعلاميّ كأحمد موسى ولا سياسيّ كحمدين صباحي ولا داعية كعمرو خالد.
فكيف، وفي غياب هؤلاء، أن تعتبر السلطة المصرية القائمة على التهديد والوعيد، أن ما حدث في تركيا محاولة انقلاب؟ وكما قال ضيف لميس الحديدي حرفيا “من أبجديات الانقلاب أن تقتل رمز الشرعية” وهذا لم يحصل في تركيا.. فالموقف المصري مفهوم إذا أمر منتظر أيضا أن تركز ردود الأفعال الدولية على حقوق الانقلابيين وسلامتهم و تجزع لمصابهم، فأردوغان لم يرسل طائرات حربية تقصف نساء وأطفال جماعة فتح الله غولن في الشوارع تحت غطاء محاربة الإرهاب كما تفعل فرنسا في ليبيا ولم تقتل الطائرات التركية خلال يومين أكثر من 150 مدنيا كما فعلت طائرات التحالف الدولي في منبج بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
فبصور المجازر يهنأ بال “بان غي مون” و يختفي قلقه. أما أن تقلق الوجوه السياسية في تونس، وخاصة القابعة منها تحت جلباب “التيار المدني” و”العائلة الديمقراطية”، حيال مصير الانقلابيين الأتراك إلى حدّ تسميتهم “بالخصوم السياسيين” أو أن تشبه ما يقوم به أردوغان بما قام به “زين العابدين بن علي” في حق النهضة أو بما قام به السيسي في حقّ الإخوان المسلمين بعد انقلاب 30 يونيو، فهذا أمر مريب، خاصّة و أنّهم هم الذين يلومون حركة النهضة على تساهلها، حين كانت في الحكم، مع التجمعيين والفاسدين من قضاة ورجال أعمال وإعلاميين وسياسيين.
ويجعلنا نقلق، نحن هذه المرة، على مصير ديمقراطيتنا وثورتنا إذا ما حاول المتربصون بها تحويل وجهتها و الانقلاب عليها، فقد يتطابق موقفهم حينها مع موقف البرادعي و حزب النور و حمدين صباحي تجاه الانقلاب العسكري في مصر كما تطابق موقفهم مع الشخصيات المصرية السابق ذكرها تجاه ردة فعل أردوغان ضد الإنقلابيين.
في النّهاية يجدر الذكر أن المعارضة التركية، هي الوحيدة التي لم تبدي تخوّفا من عمليات العزل والاعتقال والتطهير التي تعيشها تركيا منذ أكثر من أسبوع.
محمد فضل الله الزغلامي
مدون تونسي
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
