أحمد الحكيم يكتب: الدكتورة أميرة

كثيرًا ما سمعت عن قصص بطولية، ولكن لم يأت لمخيلتي يومًا أن هؤلاء يعيشيون بيننا، فها هي أميرة عراقي، بكم الآلام، والفقدان لوالدها، والحياة غير المستقرة تتفوق في دراستها الثانوية. يتبع

«مبروك يا ضاكتورة أميرااه، نتمنا لكي مستقبلن باهرن، تصطرين فيه التاريخ»

بتلك الكلمات توجه السيد وزير التربية والتعليم د.هلالي الشربيني إلي الطالبة الأولى على الثانوية العامة أميرة عراقي بمجموع 99.87%، لا تتعجب من العنوان، فليس خطأ إملائيًا من صاحب المقال، أو من الموقع؛ فبتلك الطريقة أتحفنا وزير التربية “والتعليم” بمصر، بخواطر “د.هلالي علي” صفحته الشخصية، وكانت تلك الخواطر تمتلئ بالإبداعات بعيدًا عن محتواها الذي أظن أنها كتبت في نفس مقهي المبدع صاحب قصيدة «الحلزونة يا اما الحلزونة»، ولكن دعونا نرَ طريقة السيد الوزير في الكتابة: “ياصديقي بلاش (تعزب) نفسك”، «أحمق سفيه، (أعذكم) الله، … واكتفيت (بحزفه)”.

“إذا الدنيا عن (ذوجها) أديرت، ومصائب الدنيا أقبلت”، “يجب تحسين الأداء اللغوي لبعض (المزيعين)”، “مرة واحد ندل شكله محترم ركب أتوبيس شاف واحدة حلوة قاعدة شاورلها شاورلتله, ضحكلها ابتسمتله, غمز لها تنزل نزلت له، راح قعد مكانها!” “أعذكم الله و(أعتزر) عن أي خطأ نحوي سقط (سهون)”.

أنا من أعتذر إلي كل من قرأ هذا الكلام، أعتذر للغة العربية، بمعلميها، وبجميع كوادرها، على هذه الجريمة في حق اللغة العربية، أعتذر لكم جميعًا فلم أكن أنقل لكم من صفحة كوميدية، أو من صفحة ساقط ابتدائية، فلربما لم تكن بتلك الإهانة؛  فهذا هو السيد الوزير د.هلالي الشربيني، وزير التربية والتعليم بجمهورية: “ميصحش كدا”، الذي رفض أن يتحدث إلى الطالبة الأولى على الثانوية العامة، بحجة أن والدها الدكتور «إبراهيم عراقي» أستاذ جراحة المسالك البولية، والأول على مدرسة أحمد حسن الزيات الثانوية، بطلخا 1975 بمجموع 102.7 %، أمين اللجنة الثقافية بمدرسة أحمد حسن الزيات بطلخا من 73 إلى 75، عضو اتحاد طلاب كلية طب المنصورة في اللجنة الثقافية والجوالة من 1976 وحتى 1981.

وهو عضو نشط في الدفاع المدني بطلخا أثناء حرب 73، عضو اتحاد طلاب المدن الجامعية بالمنصورة من 77 – 81، وأشرف على توزيع المكتبة الإسلامية خلال هذه الفترة، من أوائل خريجي كلية طب المنصورة 1981، ضابط بالقوات المسلحة بالخدمات الطبية من 83 إلى 84، عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية لجراحي المسالك البولية منذ عام 2003. وهو رائد جراحات مناظير البطن في المسالك البولية في مصر والشرق الأوسط وأفريقيا، كلفه الدكتور محمد غنيم بالمساهمة في إنشاء وحدة التفتيت بالموجات التصادمية في عام 1988، وإنشاء وحدة مناظير البطن عام 1992، ولكن نسيت أن أخبركم، ومحكوم عليه بالإعدام!

ولو أراد السيد الوزير أن يكتب لتلك الطالبة لكان بتلك الطريقة الهزلية في الكتابة، فلو كنت تلقيت تلك التهنئة لانتقصت من قيمتك العلمية، فحمدًا لله أن رفض أن يهنئك أيتها البطلة.

الغباء من جنود الله

كنت أتمنى من السيد الوزير، ودولته، أن يكونوا أكثر ذكاءً وحكمة، فلو تجاوز نقطة انتمائها، أو لم يأخذها بذنب انتماء أبيها، وتحدث إلى وسائل الإعلام أنها لا ذنب لها، بل قام بزيارتها لكان الموقف تغير جملة وتفصيلًا، ليس له فقط، بل للدولة جميعًا لصالحهم، ولكسب احترام الجميع؛ ولكن لأن  من جنود الله سوء التصرف رفض هذا “الوذير” أن يتحدث إلى الطالبة، دون غيرها من زملائها، وسرعان ما انتشر الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي، لتتلقى تلك الطالبة التهنئة من جميع دول العالم، فسارع النشطاء السياسيون لتسجيل فيديوهات التهنئة، وبثها، وكتب البعض لها على صفحته الشخصية، وقام بزيارتها البعض الآخر، وكلمها الكثير من أبناء الوطن، وهنا جامعة “لاجوارديا” بنيويورك لم تكن بعيدة عن الحدث، لتتلقى الطالبة أميرة التهنئة بشتى لغات العالم من طلاب كلية هندسة بالجامعة، ويدشن النشطاء «هاشتاج»: مبروك يا أميرة، ليغزو مواقع التواصل، والأكثر تداولًا، فالفكرة يا سيادة الوزير كلما حاربتها، اشتدت وانتشرت؛ فشكرًا لكم؛ على حسن تعاونكم.

لم أكن أتخيل أن بيننا أمثال هؤلاء

كثيرًا ما سمعت عن قصص بطولية، ولكن لم يأت لمخيلتي يومًا أن هؤلاء يعيشيون بيننا، فها هي أميرة عراقي، بكم الآلام، والفقدان لوالدها، والحياة غير المستقرة، ومابين السجون وزيارات والدها والتهديد الأمني تتفوق في دراستها الثانوية، ليس فقط مجرد تفوق، ولكن الأولى على الثانوية العامة، ولم تكن الطالبة رحمة عاطف خميس ببعيد؛ لم تكن أفضل حالًا من أميرة؛ فهنا الأخ الأكبر مطارد، والأصغر كان معتقلًا، وبعد خروجه حُكم عليه بمؤبد، والأب ما بين مطارد، وعدم استقرار في العمل، والبيت لا تمر مناسبة، إلا ويُقتحم من قوات الأمن، هنا تنتظر أن يتم تكسير الباب فجرًا، أو عصرًا، أو أي وقت شاءت قوات الظلام، هنا الترقب؛ لتسمع خبر اعتقال أحد أقاربها، ولكن تخرج علينا تلك الطالبة من وسط الظلام والآلم بمجموع 99.2 %.

والطالبة أسماء نعيم ابنة نعيم الشربيني أحد شهداء مجزرة رابعة العدوية؛ فقد حصلت على مجموع  99.1% والطالب عبد الرحمن لطفي والده معتقل منذ أكثر من عام، وقد وحصل 99.6%  وكذلك الطالبة رفيدة صبري، ووالدها معتقل، ومحكوم عليه بالمؤبد، حصلت على 99.4%، والطالبة جهاد محمد والدها شهيد مجزرة الحرس الجمهوري، حصلت على 97.4%، والطالبة ندى صحصاح والدها معتقل بسجون الانقلاب وحصلت على مجموع 98.9%، ويبقى سؤالي: أين، وكيف تربي هؤلاء الأبطال؟

رسالتي من مستقبلكم أيها المتفوقون

أعلم أنكم تنظرون أن يتم اختيار أحدكم للإبداع والبحث العلمي، والبعض ينتظر البعثات، والآخر يحصل على براءة اختراع، أعلم طموحاتكم، أعلم جيدًا آمالكم لأوطانكم، ولكن اعذروني!

فليقم كل منكم بزيارة لأقرب سجن؛ لأن هذا هو مستقبلك، نعم! هو مستقبلك؛ جزاء تفوقك، نعم سيطلقون عليكم النيران في الجامعات، نعم ستختفون قسريًا، نعم ستتم تصفيتكم؛ فسجون مصر بها 103 أساتذة جامعيين و50 صحفيًا، والمئات من العلماء والمهندسين والأطباء، والآلاف من طلبة الجامعات، وعشرات الحالات من الاختفاء القسري، وأحكام الإعدام! نعم من حصل على 50% هو من سيقوم باعتقالك، من سيقوم بسجنك وتعذيبك، انظر لهم جيدًا فمعذرة يا صديقي؛ سيكون مستقبلك بين يد هؤلاء الذين يتمنون أن تنظر لهم الآن.

مبروك يا أميرة الأحرار

لم أكن أتوقع  يومًا أن أكتب مقالًا لشخص بعينه؛ لتهئنته، ولكن أكتب لك، ولكل حرة، وحر، وأتشرف بذلك، أهنئكم جميعًا، وأقف عاجزًا أمام إرادتكم، وإبداعاتكم، وتفوقكم. فشرف لكم أن رفضوا الحديث معكم؛ فمخترعو “الكفتة” لا يجتمعون بعلماء الأمة، فكيف للشياطين أن تجتمع بالملائكة؟ مبروك يا أميرة.

أحمد الحكيم
مدون مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان