ساقتها عيناها البريئتان إلى الشاة التي رأتها من خلف نافذة القطار عالقة بحفرة عميقة دون حول ولا قوة لتنقذها من مأزقها وتحنو عليها. يتبع

ساقتها عيناها البريئتان إلى الشاة التي رأتها من خلف نافذة القطار عالقة بحفرة عميقة دون حول ولا قوة لتنقذها من مأزقها وتحنو عليها.
في لحظات قليلة سمعت الطفلة “شاهدة” صفير محرك القطار الذي توقف لوهلة في تلك النقطة، وما هي إلا ثوان حتى خطفت سكته العربة التي كانت تجمعها مع أمها وجدتها النائمتين ليذوب القطار في غياهب ظلمات ذلك الليل المعتم متوجهاً من الهند الى باكستان.
باكستان، ذلك البلد الذي يعشق أهله لعبة الكريكيت كما يعشقها جيرانهم في الهند، ولذلك قررت والدة شاهدة أن تسميها بذلك الاسم أسوة بلاعب الكريكت الباكستاني الأول “شاهد أفريدي”؛ فسعادة الفوز بالكريكت عند أحد البلدين تساوي سعادة فوزهم بحرب ضد الأخرى دون مبالغة.
أوصدت أبواب العبور عبر الحدود بين البلدين فعلقت الطفلة البريئة في أرض ليست أرضها دون سابق إنذار، هناك قررت أن تحمل جسدها النحيل على قدميها الصغيرتين حتى وصلت في صباح اليوم التالي الى بلدة قابلت فيها “باجرانغي”، الشاب الهندي الأسمر الذي اتخذ من القرد غله له فتفانى في عبادته وإخلاصه له.
قابل “باجرانغي” “شاهدة” التي تبعته حتى لفتت انتباهه، حاول أن يفهم منها اسمها ومن أين أتت لكن عبثاً حاول فهي طفلة خرساء حرمت نعمة الكلام؛ لكن في حسن عينيها عمق يغنيها عن الحديث والتلفظ.
مع ذلك، كانت شاهدة تفهم تماما ما يقال لها فأخذ باجرانغي يسرد لها أسماء المدن القريبة والبعيدة علها تكون تنتمي لإحداهم، طال السرد وطالت القائمة والطفلة تهز رأسها يمينا وشمالا دون جدوى فقرر باجرانغي أن يؤجل الأمر لحين آخر، وهو مثلنا جميعاً، لا يدري ما يخبئ له القدر في طياته.
توجها بعد ذلك لمنزل خطيبته وحين حان موعد الطعام اجتمع أهل المنزل على سفرة هندية بامتياز وأكثر ما ميزها هو خلوها من اللحوم المحرمة عند الهنود مما جعل استساغة الطعام على الطفلة صعباً؛ ومن هنا بدأت المفارقات تظهر بينها وبين من حولها ليصلوا من خلال تلك الخيط الرفيعة إلى قصة الطفلة.

وفي صباح اليوم التالي اصطحب الشاب الطفلة إلى وثن القرد ليتعبد أمامه لكن الفتاة بقيت تنظر يميناً وشمالا حتى وقع نظرها على مسجد قريب فسحبت نفسها إليه بهدوء، انتبه باجرانغي لغيابها فتبعها للمسجد فرآها تلف الشال على رأسها بخفة وتؤدي صلاتها وتدعو برقة وبراءة متناهيتين فأخذ الشك يتسلل إلى نفسه.
في ليلة ذلك اليوم اجتمع كل أفراد عائلة خطيبته لمشاهدة مباراة الكريكيت بين باكستان والهند، ولسوء حظهم خسر فريقهم فما كان من شاهدة إلا أن تقفز فرحا وتصفق وتهرول لشاشة التلفاز لتقبل علم باكستان.
صدم الجمع ولجموا.. اقترب باجرانغي منها بتردد وسألها بارتياب “باكستان؟” فرفعت الطفلة يدها أخيراً وقد رسمت وجهها ابتسامة عريضة لتؤكد أنها من البلد العدو ولأجل ذلك كان من المستحيل أن تبقى في منزلهم فأخذ الشاب الطيب عهدا على نفسه أن يعيدها إلى موطنها.
ورغم أن باكستان والهند تتشاطران حدودا طولها يقارب الـ 3000 كم إلا أنها مُسيجة ومراقبة على الدوام حتى يخيل للناظر أن الجيشين سيلتحمان هنا في أية برهة وعلى أهون سبب؛ لكن عبور تلك الحدود كان خيار باجراغني الأخير بعد أن اعتذرت السفارة الباكستانية في العاصمة الهندية عن المساعدة فولى وجهه شطر الحدود غير مكترث بالمخاطر، حاملا معه قلباً محباً للخير شغوفاً بإغاثة الملهوف فكيف إن كان الملهوف طفلة بعمر الورد تسلب قلب الناس بوداعتها.
تشاء الصدفة أن يقابل باجرانغي على الطريق مهربين يدلونه على خندق لعبور الحدود من تحت الأرض؛ لكنه وبعد أن يصل للضفة الأخرى من الحدود يأبى المضي قدماً إلا بعد أخذ إذن صريح من الجيش الباكستاني على الحدود وهو عمل جنوني؛ لكن الشاب يمقت والخداع فيواجه الجيش ويشرح له قضيته فيتعاطف معه ويدعه يذهب في طريقه متوجها الى أرض العدو، باكستان.
ويستمر مسلسل الوقوع في المتاعب بسبب طيبة قلب الشاب الهندي، ويشاع في البلاد أن جاسوسا هنديا اخترق الحدود وجاء ناوياً الشر، وفي أثناء ذلك يلتقي باجراغني بصحفي باكستاني ذو حظ عاثر في مهنته فينوي مساعدته حتى يوصل الطفلة إلى ذويها، وقد قرر أن يصور كل لحظة من رحلته آملا أن يكون لتلك القصة شأن في مستقبله المهني.
ومن خيط إلى آخر عرفا أن الطفلة من منطقة كشمير، أساس النزاع بين البلدين فتوجها إليها؛ لكن عندما اقتربت الشرطة منهما وهما قريبان من منزل الطفلة تفرقا فذهب الصحفي مع الطفلة وأوصلها أخيراً لأمها التي لفت ابنتها بذراعيها الدافئتين، وانهالت دموعها عليها وهي تكاد لا تصدق أحلم هذا أم حقيقة؟، أما باجرانغي فوقع في يد المخابرات فانهالوا عليه بالتعذيب والضرب.
عندها قرر الصحفي نشر القصة على الإنترنت فانتشرت في الهند وباكستان وتعاطف معها الناس فاضطرت المخابرات أن تفرج عن باجرانغي ونزلت الحشود الكشميرية من الهند وباكستان إلى نقطة الحدود مطالبين بفتحها حتى يعود باجرانغي إلى أهله.
هناك يأتي أهل شاهدة معها ليودعوا الشاب الطيب؛ لكن شاهدة لم تكتف بتلويح يديها في الهواء فركضت بين الجمع ولحقت باجرانغي وهي تحاول أن تناديه “ماما” أي “عمي” في الهندية، وما كان من حبال صوتهاإالا أن تسعفها في تلك اللحظة المهيبة ليلتف إليها باجرانغي ويتجه نحوها بسرعة ليعانقها بحرارة.
يسدل الستار، ويضاف هذا الفيلم بألوانه الزاهية وأغانيه وموسيقاه التي تخالج القلوب لعشرات الافلام البوليودية التي تهدف لتذكير شعبي الهند وباكستان أن رغم الاختلافات السياسية والدينية والثقافية، فإن التعايش بينهما ممكن، وإن الحب أساس في روح البشر وليست الكراهية.
وفاء زيدان
مدونة سورية – لندن
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
