من يقرأ المشهد السياسي منذ انطلاقة الثورة يجد أن المعارضة لم تستطع أن تطرح نفسها أمام العالم كبديل حقيقي ومقبول للنظام القائم.. يتبع.

مع بداية الأشهر الأولى من انطلاقة الثورة السورية تم في إسطنبول إنشاء مجلس وطني في أكتوبر/تشرين الأول 2011 برئاسة برهان غليون ليكون هذا المجلس الواجهة السياسية للحراك الثوري في الداخل.
إن آلية تشكيل هذا المجلس التي قامت على أساس المحاصصة والتوافق بين قوى سياسية تقليدية قديمة وأخرى ثورية حديثة برزت مع الثورة والاختلاف في الرؤية السياسية بين مكونات عاشت طوال حياتها في الخارج وأخرى قادمة من الداخل وغياب قانون الانتخاب في تبني القرارات والخطابات النارية التقليدية والمزاودات الغير منطقية داخل المجلس وعدم تلقي المجلس الدعم الكافي، وعسكرة الثورة وتبني المجلس لكتائب الجيش الحر وعدم القدرة على تامين رواتبهم الشهرية أو حتى تأمين غطاء سياسي لهم وأيضا بعض الأصوات التي انسحبت من المجلس وحاولت الإساءة الى سمعته والمزاحمة على المناصب والافتقار إلى شخصيات تتمتع بالخبرة السياسية الكافية وأكاد أجزم بأن تنسيقية كفرنبل من خلال شعاراتها ولافتاتها كانت تملك الخبرة السياسية أكثر من غالبية أعضاء المجلس الوطني.
دخل المجلس الوطني في حرب إعلامية وعراك سياسي لا فائدة منه مع هيئة التنسيق حول الأحقية في الشرعية والتمثيل في الوقت الذي كان الشارع السوري ينزف كان المجلس يحاول شيطنة هيئة التنسيق لعدم رفعها لشعار اسقاط النظام واستمالة جمهور الهيئة بينما حاولت هيئة التنسيق سحب البساط من تحت المجلس الوطني وطرح نفسها كممثل شرعي لمعارضة الداخل لوجودها داخل سوريا هذا الصراع اللاعقلاني أدى إلى انشغال كلا الطرفين عن الشريحة الشعبية التي وقفت على الحياد لتشجيعهم على المشاركة في الثورة عموما لم يستطع المجلس أداء المهمة بعد ذلك تعالت الأصوات لتوحيد وتشكيل هيئة جديدة اوسع للمعارضة تتجاوز المجلس الوطني.
وفي شهر نوفمبر/ تشرين الثاني للعام 2012 أعلن في قطر تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة ليضم بالإضافة إلى المجلس الوطني طيفا واسعا من المعارضة وانتخب الائتلاف معاذ الخطيب رئيسا له كان الرهان كبيرا على الائتلاف في القدرة على كسب الاعتراف العربي والدولي وتعجيل إسقاط النظام.
ثمة موقفان لمعاذ الخطيب ينمان عن قراءة جيدة للأحداث خلال فترة رئاسته، إذا ما نظرنا إلى واقع الحال في سوريا اليوم، عندما خاطب الشباب السوري قائلا “نرفض كل فكر يأتي من خارج سوريا داعيا الشباب الى فك ارتباطهم بتنظيم القاعدة وقياداته وعدم ادخال البلاد في دوامات لا يعلم بها إلا الله” وأيضا عندما عرض على بشار الأسد أن يرحل عن السلطة ويأخذ معه خمسمئة شخص من المقربين له لوقف نزيف الدم في سوريا، ولا أدري لماذا عارضت بعض الشخصيات في الائتلاف هذا الطرح هل كانوا واثقين من قدرتهم على إسقاط بشار وإعدامه ليـأخذوا بثأر الشهداء أم أن مصالحهم الشخصية تقتضي إطالة عمر الثورة دون أي اعتبار لنزيف الدم السوري؟
من يقرأ المشهد السياسي منذ انطلاقة الثورة يجد أن المعارضة لم تستطع أن تطرح نفسها أمام العالم كبديل حقيقي ومقبول للنظام القائم وإقناع العالم بقدرتها على قيادة المرحلة الانتقالية والقراءة الخاطئة والسطحية للتوازنات الدولية والاختلافات الفكرية داخل المعارضة وتبعية كل مكون لجهة معينة جعلها غير قادرة على طرح برنامج سياسي واضح المعالم حول ماهية النظام البديل وعدم إعطاء ضمانات حقيقية للأقليات والاقتصار على شعار إسقاط النظام وقيام نظام ديمقراطي وغياب الإرادة الحرة في اتخاذ قراراتهم والتحكم بمسار عملهم من قبل الدول ذات المصالح وحالة التناقض بين القول والواقع المفروض عليهم جعلهم في حالة من الارباك السياسي.
بالإضافة إلى التخفي وراء الشعارات الديمقراطية وانسحاب شخصيات مستقلة من الائتلاف والتصريحات التي فاحت منها رائحة الطائفية والتي صدرت من بعض الشخصيات التي كانت تختبئ وراء الشعارات الديمقراطية ناهيك عن أسلمة الثورة وخروجها عن مسارها الصحيح الذي انطلقت منه، وتآكل الجيش الحر وظهور الكتائب الإسلامية والتي أصبحت أجندات تابعة لدول ذات مصالح في سورية وتصدر الاخوان المسلمين للمشهد السياسي وغياب خطاب وطني حقيقي جامع يحافظ على النسيج الاجتماعي السوري الذي تصدع بشكل مخيف ولعل النقطة التي دار حولها النقاش مطولا عند تشكيل الائتلاف” إسقاط النظام بكل رموزه وعدم الدخول في أية مفاوضات مع النظام” والآن تذهب المعارضة لتفاوض النظام في جنيف دون وجود أدنى ضمانات لرحيل النظام والتي بات القاصي والداني يعلم بأن هذه المفاوضات تم فرضها من قبل بعض الدول والتي أصبحت المعارضة للأسف لعبة مصالحهم.
يقول ميشيل كيلو في إحدى مقالاته في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 3-4-2013 حيث يقول”كذبتنا أفعال العقيد رياض الأسعد الذي أثبت أنه من زمن الحرية الذي ينتمي إليه على الضد من مقاتلي المكاسب الذين يتاجرون بالوطن والشعب ويعيشون الأنانية والانتهازية والكذب ويجهلون قيم الوطنية ويضحون بالسوريين الذين يحولون موتهم إلى استثمار شخصي يعزز مكانتهم في فنادق وفيلات العواصم التي تديرهم بعد ان باعوا ضمائرهم”.
حازم نهار المعارض السوري الذي تعرف على المعارضة عن قرب يقول في حوار على السوري الجديد: “ربما الشئ الوحيد الذي يمكن المحافظة عليه في الائتلاف الوطني السوري هو الاسم فحسب فالاسم حصل على رصيد دولي في لحظة من اللحظات وفيما عدا ذلك يحتاج إلى عملية هدم وبناء من جديد”.
فشل الائتلاف أمام هذه المسؤولية الكبيرة عن القيام بالدور اللائق والمطلوب في تمثيل الثورة وفي تشكيل خطاب سياسي ناضج وفي بناء علاقات خارجية تصب في مصلحة الثورة ومازالت المراوحة في المكان وما زال الكلام من دون فائدة ولا حل في الأفق، وأصبح شعار المعارضة الجلوس تحت عباءة التبعية والرقص على طبول أجندة الآخرين والشعب السوري يدفع كل يوم فاتورة ثورته الباهظة.
أحمد عبدو
عضو المكتب القانوني في المركز التعليمي لحقوق الانسان ألمانيا
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
