مروان محمود يكتب: فض رابعة.. العنف والجنون

خسرت صديقا وزميلا وفكرت في الانتحار ففشلت، فقررت الهجرة أو علي الأقل اعتزال السياسية والعمل الصحفي الميداني، وأن تكون جزءا من الحدث غير أن تغطي الحدث كصحفي. يتبع

خسرت صديقا وزميلا وفكرت في الانتحار ففشلت، فقررت الهجرة أو علي الأقل اعتزال السياسية والعمل الصحفي الميداني، وأن تكون جزءا من الحدث غير أن تغطي الحدث كصحفي.
أن تجري وسط الدماء وتقفز بين الجثث الميتة لتنقذ نفسك وتخرج حيا من مسجد يُفترض أنه أقيم لعبادة الله؛ ولكنه تحول إلى مشرحة ضخمة.

ما بين الجثث والرصاص والهتافات القادمة من منصة رابعة التي وعدت مؤيدي مرسي بملائكة تحارب معهم قضي المئات من المصريين حتفهم في جريمة لن يغفرها أي زمن، ولن يبررها أي مصالحة سياسية أو اجتماعية لن تحدث من الأساس في مصر.

“رابعة” كانت ذروة فشل السياسة في مصر، بعدما خسر الإخوان الشارع خسروا المئات من إخوانهم، إلا أنهم اكتسبوا مظلومية تاريخية جديدة تمكنهم من الاستمرار لمائة عام أخرى دون ظهور أي تجديد في فكر الإخوان أو طرح أسئلة حول من يتحمل مسئولية المجزرة، هل الحكومة آنذاك -برئاسة حازم الببلاوي وعدلي منصور- تتحمل وحدها مسئولية المجزرة؟ بالتأكيد لا.

دعنا نسأل السؤال مرة أخرى، هل يتحمل محمد بديع وخيرت الشاطر وغيرهم من قيادات الإخوان المسئولية التاريخية عن مقتل المئات من شباب الجماعة في اعتصام كان من الممكن تحقيق مكاسب سياسية من خلاله بدلا من فضه بالقوة؟ بالطبع كان يمكن. فالروايات الغربية لمفاوضات ما قبل الفض تتحدث عن صفقة بخروج أبو العلا ماضي وآخرون مقابل فض نصف الاعتصام إلا أنه بدلا من ذلك جاءت المنصة لترفض التفاوض نهائيا، ليفض فيما بعد الاعتصام بالقوة.

المسئولية لا يتحملها الإخوان وقيادتهم فقط ولا الحكومة آنذاك فقط، بل يتحملها الكل، من رفض التفاوض وقرار الاستمرار حتي يموت من في الميدان، فقُتلوا إلا أنهم قُتلوا وفي  نفس الوقت كان آخرون يهتفون ويحتفلون بقتل الإخوان في الشوارع. فقد الإخوان في العام الأول أي تعاطف من القوي السياسية إلا أنهم اكتسبوا المظلومية التاريخية التي مكنتهم من الاستمرار مرة أخرى.

اعتقادي الشخصي أن كل القوى السياسية كانت تريد اللجوء للقوة لفض الاعتصام، الإخوان حاولوا التحرك بمجموعات إلي الحرس الجمهوري و المنصة فتصدي لهم الأمن. الكل كان يريد اللجوء للقوة، من يملك السلاح وشرعية استخدامه ومن لا يملك السلاح، القوة كانت جنون خلق جنونا فأدى إلى القتل وانتهاك كل قواعد الأخلاق والإنسانية.

الكل وقتها كان يبحث عن المكاسب السياسية والآن ربح أحدهم، والآن يحصد نتائج هذا الصراع مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية يحصد زرع الدم.

الآن عبر صفحات فيسبوك لا أحد يؤيد الفض والكل يتذكر أخطاءه عندما شارك في 3 يوليو/تموز، ويقول إنه لم يكن يعلم أنها ستكون انقلابا دمويا مثلما حدث. فض رابعة كان العنف المجرد، والقتل من أجل القتل، لم ينج شئيئا من الفض. من قُتل مات علي ما هو عليه، ومن نجا ظل يسأل نفسه هل من العدل ما حدث؟ عقب رابعة تصاعد العنف في مشاهد متتابعة أخطرها كان مشهد رمسيس (شارع الجلاء)، عندما قتلت الشرطة المتظاهرين هناك بينما يحتفل آخرون علي أنغام مصطفي كامل ويهتفون باسم الوطن وكأن الوطن يتفق مع قتل المصريين لخلافات سياسية.

فض رابعة كان بداية شرعنة العنف في المجتمع وفى السياسة المصرية، من لم يجد العدل في المحاكم سيبحث عنه بنفسه وسيحققه دون أي التزام بالقانون. ومن أيد الفض وساند الظلم والقتل ستظل يده ملوثة بالدماء مهما تنكر، وقدم نفسه كمفكر استراتيجي وتحدث بالإنجليزية في مؤتمر صحفي ليجد نفسه فيما بعد خارج كل الحسابات السياسية. من أصدر قرار الفض كان يعلم جيدا مدي الجرم الذي ارتكبه لذلك اختار ضحايا من السلطة قدمهم في مشهد الفض ثم تخلص منهم فيما بعد. ومن ظن أن الفض لن يحدث وظل يتحدث عن العدل وساند انقلاب عسكري حسبما تقول كتب العلوم السياسية ثم فطن فيما بعد إلى الجرم الذي ارتكبه هو أيضا يده ملوثه بالدماء.

مروان محمود
صحفي مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان