لماذا قررت تركيا وروسيا أن تكون العملة المعتمدة في تجارتهما البينية عملة الدولتين فقط؟. يتبع

لماذا قررت تركيا وروسيا أن تكون العملة المعتمدة في تجارتهما البينية عملة الدولتين فقط؟
1- أولا حجم التجارة بين البلدين عام 2015 وصل لحدود 40 مليار دولار وفي عام 2014 كان 34 مليارا وهذه أرقام تصيب أوربا الغربية حليفة أمريكا وجارة تركيا وروسيا بالذهول والرعب بنفس الوقت وخاصة أنها تعاني أزمات اقتصادية خانقة في أكثر من دولة من دول اتحادها التي غادرته بريطانيا مؤخرا لاستشعارها الخطر الأمني والاقتصادي على أوربا.
2- البلدان يسعيان لوصول حجم التبادل التجاري لـ 100 مليار عام 2023 وقد وقعوا اتفاقية بذلك.
3- مؤشر التبادل التجاري بينهما يزداد في كل سنة بشكل عال وهو المؤشر الأعلى في العالم لتجارة بين بلدين.
4- السياحة الروسية في تركيا هي الأعلى في العالم وصل العدد لـ 5 ملايين سائح عام 2015 والسائح الروسي في تركيا مرحب به بشكل كبير وهو سائح نوعي مميز وتركيا فتحت للسياح كل مجالات الراحة من بنوك وفنادق خاصة وحق التملك وكافة التسهيلات وهم يدخلون أرباحا لقطاع السياحة التركي لا يستهان بها أبدا.
5- من الناحية السياسية لم يعد خافيا على أحد دور أمريكا المحوري في الانقلاب كما لم يعد خافيا على أحد دور روسيا الأساسي في إفشاله، أمريكا لطالما سعت لجر تركيا وروسيا لتصادم عسكري في سوريا وغيرها وكادت أن تنجح لولا أن أردوغان اكتشف الفخ وسارع للاعتذار لروسيا عن مقتل طيارها الذي تبين أن الطيار التركي الذي قتله ضالع في انقلاب العسكر الفاشل وسلاح الجو يقوده ضابط تابع لأمريكا ويعتبر رجلها هذا يدل على تورط أمريكا في إشعال حرب بين روسيا وتركيا.
6- تركيا وروسيا أرادا أن يوصلا رسالة لأمريكا مفادها نحن لم نقع في الفخ وزادوا عليه قرارهم بطرد الدولار الأمريكي من التجارة البينية للبلدين واعتماد الروبل والليرة بدلا عنه وهذا طبعا لن يسر أمريكا على الإطلاق بل سيزيد من غضبها بعد أن أفشل الروس والأتراك فخ أمريكا بتصادمهما عسكريا ثم أفشلوا الانقلاب المدعوم أمريكيا.
ولو رجعنا للوراء في التاريخ لنتذكر كيف كانت ردة الفعل الأمريكية تجاه قرار صدام حسين الشهير المتعلق ببيع النفط العراقي باليورو بدل الدولار، لقد كان رد أمريكا حينها أنها اعتبرت هذا التصرف عدوانا على سيد عملات العالم وبالتالي اعتداء على الاقتصاد الأمريكي وبالتالي فهو اعتداء على أمنها القومي فحشدت الدول غير مكترثة لا بفيتو روسي ولا صيني وانتقمت من صدام كرمى لعيون الأخضر الأمريكي.
مع اختلاف الحالة هنا بين صدام الذي كان وحيدا حينها ومتورطا بحرب واحتلال لدولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة وبين دولتي تركيا القوية وروسيا التي هي وريثة الاتحاد السوفيتي المنفرط بعدائه التاريخي والتقليدي لأمريكا وبقوته المعروفة عسكريا وبحروبه الباردة والساخنة معها.
7- لابد من التنويه أن الفكرة تركية تقدم بها أردوغان لبوتين خلال اجتماعهما الأخير في التاسع من شهر أغسطس/ آب الجاري والمشاورات الجدية انطلقت بالفعل وبدأ خبراء الاقتصاد في البلدين مناقشاتهما لوضع اللمسات الأخيرة للقانون ليصار إلى اعتماده وإذا تم الوصول بين روسيا وتركيا لقانون ينص على اعتماد عملة البلدين في تجارتهما الخارجية معا فهذا سيكون ثاني مسمار يدق في نعش النظام العالمي الجديد بعد مسمار فشل الانقلاب العسكري في تركيا لأن هكذا قرار ليس بالأمر السهل أبدا على أمريكا التي تؤسس في المنطقة لفرض هيمنة نظام عالمي جديد يعتمد الهيمنة الاقتصادية البحتة للدولار إلى جانب الهيمنة العسكرية لأمريكا وحلفائها الأوربيين.
ولم يعد مشروع الشرق الأوسط الجديد القائم على فكرة تفتيت المفتت واحتواء الغير قابل للتفتت ثم تفكيكه داخليا سهل التحقيق وخاصة بعد أن وضعت روسيا قدمها في قلب هذا الشرق الأوسط القائم حاليا والمراد تعديله لمصلحة أمريكا والغرب وأنا أتوقع أن تقوم روسيا في سبيل إفشالها لذلك لتحالفات جديدة قد تتخلى خلالها عن دعهما لمن يمهدون لأمريكا بفعلهم على الأرض تحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد حتى لو كان حليفا سابقا لروسيا.
هل تسكت أمريكا على هذا الحظر التركي الروسي للدولار في تجارة البلدين البينية؟
لن يمر الأمر بلا تداعيات إطلاقا والأيام القادمة حبلى بالمفاجآت.
عبد الله مصطفى
كاتب ومدون سوري
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
