عبد المنعم محمود يكتب: خرجت خائفا أترقب

ذهبت إلى الباب وأنا مرعوب قدمي ثقيلة تجر معها سنين سابقة من الظلم والسجن وتجر معها صور المشرحة وصور عربة الترحيلات .. يتبع

عبد المنعم محمود ـ صحفي مصري

لم يكن يوما عاديا في حياتي ، كان أكثر يوم شعرت فيه بالخوف والمجهول. كنت أخذت القرار قبل ليلة فقط من هذا اليوم ، فتحت جواز سفري وبحثت عن التأشيرة السارية تفحصت التاريخ جيدا ، لم أبلغ الا القليل جدا جدا من الأصدقاء.

استيقظت مبكرا وذهبت الي أقرب مكتب طيران وطلبت تذكرة ذهاب فقط، أخبرتني الموظفة أنه يتوجب علي أن تكون تذكرتي ذهاب وإياب لأَنِّي لا أحمل إقامة سارية لبلد السفر .. لم أستطع أن أقول لا أعرف متي يمكنني العودة؟

تسأل : تحب أعمل العودة متى؟

لي تجارب مؤلمة مع المنع من السفر من قبل بل والخروج من باب الطائرة الي باب طره

أنا : لا أشعر بالسؤال .. فقط خائف وأريد أن أرحل .. بعد وقت قلت لها خلي العودة بعد أسبوع .. وصلني الحجز عبر البريد، لم أخطط أين سأقيم عندما سأسافر؟

كل ما دار في ذهني هل سيسمح لي بالسفر؟ وماذا لو لم يُسمح؟

فلي تجارب مؤلمة مع المنع من السفر من قبل؛ بل والخروج من باب الطائرة إلى باب طرة؛ ولكن كنت أحاول التشبث بالحياة في الهرب فأنا خائف.

خائف من رصاص كان يخترق الرؤوس بلا أدني رحمة. قبلها بأسبوع دفعتني زوجتي بقوة علي الأرض بعدما شاهدت جندي يعتلي بناية في ميدان الجيزة يصوب بندقيته نحوي، خفنا كما لم نخف من قبل فقد شهدنا المجزرة وشهدنا أكوامًا من الجثث المحترقة.

قبلها بأسبوع دفعتني زوجتي بقوة علي الأرض بعدما شاهدت جندي يعتلي بناية في ميدان الجيزة يصوب بندقيته نحوي

كان نفسي يلهث وأنا في التاكسي في طريقي للمطار وأنظر لكل شبر حولي هل سأراه مجددا ، ولكن هذا الاشتياق المبكر ، كانت تشوبه صور الجثث المحترقة التي لم تقبلها مشرحة زينهم، وتعاطف الأهالي مع حرمة الموت فاستقدموا سيارات حفظ الأغذية الكبيرة لوضع الجثث بها بعد يومين من إلقائها في الشارع.

هتف فينا أحدهم: يا جماعة لو فيه صحفي معاه كاميرا احنا (نحن) حنفتح الأكفان لعل علامة تبان في الجثث تدل أهاليهم عليهم.. صعدت وَيَا ويلّي فيما فعلت:

كان يزاحمني رجل يحمل صورة لأخيه يحاول أن يجد أي شبه له بين هذه الجثث المجهولة ولا أعتقد أن أحدا عرفها حتي الأن

رأيت أنصاف جثث محترقة تماما ، رأيت أجزاء من الرؤوس ، نصف عظام جمجمة ، أنصاف أجسام بها عظام محترقة.

كان يزاحمني رجل يحمل صورة لأخيه يحاول أن يجد أي شبه له بين هذه الجثث المجهولة، ولا أعتقد أن أحدا عرفها حتي الأن. الرجل صرخ : ثلاثة أيام ومش لاقينه.

أنا مهونا عليه: إن شاء يكون حي ويمكن اعتقلوه. خرجت وأنا شخص آخر بالمرة ، خائفا شاردا، مرضت ليومين من هول ما رأيت.

كان الطريق إلى المطار طويلا فزاد زحام السيارات ، زحام هذه المشاهد المؤلمة، وليتها كانت هذه الصور الأخيرة ، ظللت أشعر بالخوف من هذا البلد ومن جنون ناسه الذين إن لم يقتلوا مباشرة، فمن الذين يبررون القتل أو يضحكون ويرقصون على الجثث، حتى جاءت حادثة عربة الترحيلات ، لم أكن أعرف أحدا ممن كانوا فيها ، ولكن بعدما نشرت قصة قتلهم عرفت و شعرت بكل ما حدث معهم.

 فأنا أعرف هذا العربة جيدا ، كانت دوما لي مقبرة ، كانت تمثل لي وجعا أكثر من وجع الزنزانة نفسها ، فهي قبر متحرك؛ لكن لم يدر بخلدي يوما أن يكون الموت فيها بهذه الطريقة ، فقد مات صديقنا أكرم الزهيري متأثرا منها، لكن ليس بهذه الطريقة.

كل ليلة أراني فيها وأري مصرعي فيها محترقا كما قتلوهم ، أنا أخاف من هذه العربة من قبل هذه الحادثة.

كنت أشعر أنها ستقطع الطريق علي التاكسي المتجه إلى المطار لتأخذني لما أخاف وأهرب منه الآن؛

كنت أبكي وأصرخ من داخلي ، خوفا لم أشعر به حتى داخل أقبية جهاز أمن الدولة في مدينة نصر

بينما الخوف يلعب بي بالأساس أن تكون السيارة في انتظاري بجوار مدرج المطار.

أخشى عودة الأيام السوداء قبل الثورة من المنع من السفر واقتيادي من مدرج المطار بهذه السيارة الملعونة إلى السجن ، لكنها صارت تأخذ الناس مباشرة إلى القبر.

كنت أبكي وأصرخ من داخلي ، خوفا لم أشعر به حتى داخل أقبية جهاز أمن الدولة في مدينة نصر – غوانتناموا مصر – قضيت فيه 13 يوما في عام 2003

وقفت كثيرا بجوار المذياع الذي ينادي علي الركاب مرتقبا أن أسمع اسمي ، خائفا من المصير.

بحثت عن مكتب الاستعلامات نفسه الذي ينادي فيه الموظف على الأسماء التي تأتيه للاستيقاف، نظرت اليه كثيرا كأني أنتظر حكم الإعدام ، حتى نادى مذياع آخر نداء اخيراً لإقلاع طائرتي.

ذهبت إلى الباب وأنا مرعوب قدمي ثقيلة تجر معها سنين سابقة من الظلم والسجن وتجر معها صور المشرحة وصور عربة الترحيلات.

شعرت بكل حرف في حرف في آية سورة القصص التي تروي قصة خروج سيدنا موسي

مررت من باب الصعود دون مشكلة وصعدت الي الطائرة ولم أهدأ الا وهي تتحرك بالفعل للإقلاع، وقتها فتحت هاتفي وسط استنكار من المضيفة وتحدثت لأمي على عجل واعتذرت منها.. آسف يا أمي سافرت الآن، ولا أعرف متى سأعود.

شعرت بكل حرف في حرف في آية سورة القصص التي تروي قصة خروج سيدنا موسي اذ يقول الله عز وجل عنه ” فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ? قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ “

ثلاث سنوات ولا أعلم متى سأستخدم تذكرة العودة ، فرغم العافية التي أتمتع بها فكلي شوق إلى العودة ، منذ نحو شهور جرني هذا الشوق إلى بيت أمي في الإسكندرية أبحث عنه علي خرائط الهاتف متجولا في الشوارع التي كانت تقودني إلى كورنيش الإسكندرية ففيه أعود وأسترخي وأشعر بالأمان لأروي له قصصي.

——————————–

عبدالمنعم محمود – صحفي مصري مقيم في لندن 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان