ليس الخلاف كما هو واضح للعيان بين طرفين، “عزت – كمال”، أو “لجنة إدارية منتخبة- لجنة إدارية معينة”، بل فقدان الثقة “تجاه كلا الطرفين” أمر أشد من الانقسام الحادث.. يتبع
لا يمكن تجاهل أزمة جماعة الإخوان المسلمين في مصر، إذ أن وضعها بات صعبا للغاية، فعلى الرغم أن الأزمة تبدو بين طرفين- أيا كانت قوة أحدهما عن الآخر- إلا أن الإخوان ليسا طرفين متصارعين فقط، بل إن “الإخوان” باتوا فرقا مختلفة، وإن كان لايزال يجمعهم الكثير يمكن البناء عليه.
في البداية قبل الحديث عن أي حل ممكن، يجب أن يعترف جميع الإخوان أنهم في أزمة حقيقية، ليست على المستوى السياسي “الثوري”، بل هناك أزمة داخلية تنظيمية عميقة، وأخرى مجتمعية، وثالثة فكرية، وأنه للخروج من هذه الازمات يجب عليها، أن تبدأ فورا في علاج أخطاء الماضي.
هل ستبقى الجماعة ككيان جامع لكل الأدوار السياسية والمجتمعية والخيرية والدعوية، أم ستتجه لتكوين مؤسسات تتبعها فكريا، تكون لها حرية الحركة
لايمكن أن تعالج الجماعة أخطائها، وتطور من أدائها، دون أن تجري مراجعة شاملة و”حقيقية”، للسنوات العشر الأخيرة على وجه الخصوص، تعيد النظر، في تعريف الجماعة لنفسها، وهل ستصر الجماعة على شمولية “التنظيم، وربطها بشمولية “الدين”، هل ستبقى الجماعة ككيان جامع لكل الأدوار السياسية والمجتمعية والخيرية والدعوية، أم ستتجه لتكوين مؤسسات تتبعها فكريا، تكون لها حرية الحركة، أم ستصر الجماعة أن تبقى مكانها كجسم ضخم حركته بطيئة، أم ستتحول إلى جماعات ضغط سياسية ومجتمعية وكيانات اقتصادية ومؤسسات إعلامية تستطيع إحداث تغيير حقيقي.
لن تفرز أي انتخابات داخلية بالجماعة -في كلا الطرفين المتنازعين- جديدا في ظل الأوضاع الحالية
المراجعة الحقيقية هي أساس أي انطلاقة لأي فصيل سواء الإخوان أو غيرها، ولكن ربما هناك معضلات أخرى غير “الرؤية”، وربما خطوات سابقة عليها، وهو ضرورة إنهاء هذا الانقسام الطولي والعرضي في الجماعة.
ليس الخلاف كما هو واضح للعيان بين طرفين، “عزت – كمال”، أو “لجنة إدارية منتخبة- لجنة إدارية معينة”، بل إن حالات الغضب والسخط والإحباط وفقدان الثقة “تجاه كلا الطرفين” أمر أشد من الانقسام الحادث،
لن تفرز أي انتخابات داخلية بالجماعة -في كلا الطرفين المتنازعين- جديدا في ظل الأوضاع الحالية ، بل إن الشقاق سيكون أكثر، والإحباط أشد، وستنهار الجماعة وتنتهي.
على الجماعة بضرورة الإيمان بأحكام “الفترات الانتقالية”، وأنه لا غالب والا مغلوب إذا أرادوا بداية حقيقية، وعليه فإنه لابد من “مصالحة” داخلية
وربما باتت فكرة التحكيم بين الأطراف المختلفة أمر غير مريح للكثيرين، لأنه سينتهي إلى نصر فريق على فريق،وستتجدد الأزمة، وسيصر كل فريق على موقفه، كما حدث في تحكيم الشيخ القرضاوي والأستاذ الراشد.
ربما على الجماعة بضرورة الإيمان بأحكام “الفترات الانتقالية”، وأنه لا غالب والا مغلوب إذا أرادوا بداية حقيقية، وعليه فإنه لابد من “مصالحة” داخلية، مصالحة حقيقية، يتشارك فيها الجميع من أجل مصلحة عليا، مصلحة تعلي الدعوة والوطن وحقوق الشهداء والمعتقلين فوق الخلافات التنظيمية الضيقة.
لابد من لجان مصالحة، وإدارة مشتركة بين جميع الفرقاء، ومجلس حكماء استشاري، وبالتأكيد أن بالجماعة عقلاء يستطيعون وقف هذا العبث الجاري، لا يمكن أن تظل جماعة بتاريخها ونضالها، على هذا النحو المزري.
لابد أن أن يبتعد طرفا الخلاف، وأن يقود عقلاء متفق على نزاهتهم وصدقهم عملية المصالحة، ومن ثم إدارة مشتركة تقود الجماعة مؤقتا، وأن تجرى انتخابات لممثلين عن المكاتب الإدارية يشكلوا جميعة تأسيسية لإقرار اللائحة العامة للجماعة، ثم تنتخب هياكل شورية وتنفيذية للجماعة، ثم لجنة للمراجعة الشاملة، ثم وضع رؤية معبرة وحقيقية للجماعة.
لابد أن أن يبتعد طرفا الخلاف، وأن يقود عقلاء متفق على نزاهتهم وصدقهم عملية المصالحة
إن استمرار أطراف الخلاف الداخلي في مواقعهم ليس نصرا قد يراه البعض “قيميا” لمبادئ الجماعة وأنها تنفي خبثها، أو هذا الذي يرى أنه مخلصا للجماعة ومبادئها ولابد أن يواجه عجائز الفكر.
إن نجاح أي خطوة يرتبط بنجاح فكرة “لجان المصالحة”، الجماعة لم تعد قوية كما كان يظن منتسبوها، الجماعة ليست بخير، ولم تتعاف كما يردد بعض من قياديها، فاليأس والإحباط داخل السجون وخارجها قد ضرب بقوة، وبات الحديث عن ترميمات للتنظيم ومحاولات إصلاح مرفوضة تماما من قطاعات كبيرة.
يجب أن تحاسب كل من شارك هدر الفرص في الخمس سنوات الماضية، وتنزع عنه “مهابة وهمية”
الانتخابات الآن ليست حلا في ظل المعطيات الحالية، الجماعة باتت معزولة سياسيا ومجتمعيا، صفها مقسم بين السجون والهجرة، مشكلات المجتمع العادية باتت تضرب عائلات الجماعة وأفرادها، وفي المقابل بنية المجتمع في السنوات الثلاثة الماضية قد تشوهت عمدا بفعل الانقلاب العسكري ومنظومته الإعلامية والاقتصادية والسياسية.
إن أرادت الجماعة ومن تبقى فيها من عقلاء أن تتصالح فالتتصالح الآن، وقبل أن تتصالح مع المختلفين معها من التيارات الأخري، تتصالح مع نفسها، وأن تضع ميثاق شرف بين أفرادها وقيادتها، وأن تحاسب كل من شارك هدر الفرص في الخمس سنوات الماضية، وتنزع عنه “مهابة وهمية”.. كل هذا إن أرادت الجماعة ذلك.. الحل في أيديها لا في يد غيرها.
—————————————-
محمد سعيد ــ “صحفي ومدون مصري”
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
