رامي الجندي يكتب: الانتخابات المحلية.. مزيدٌ من التأزّم

تتجه أنظار الفلسطينيين إلى الانتخابات البلدية أو المحلية التي أوعز الرئيس الفلسطيني محمود عباس إجراءها في الثامن من أكتوبر القادم. يتبع

تتجه أنظار الفلسطينيين إلى الانتخابات البلدية أو المحلية التي أوعز الرئيس الفلسطيني محمود عباس إجراءها في الثامن من أكتوبر القادم؛ حيث من المقرر أن يُدلي مليونا مواطن بأصواتهم في صناديق الاقتراع، وفي خطوة ربما لم تقدرها أو تتوقعها السلطة الفلسطينية فقد رحبت حركة حماس بتنظيم الانتخابات برغم عدم إشارتها في بيانها إلى المخاطر التي ربما ستواجه أو تنتج عن الانتخابات المحلية لكنها اكتفت بالإشارة إلى انتخابات مستحقة أخرى وهي انتخابات المجلس الوطني والانتخابات الرئاسية والتشريعية.

على أمل أن تكون الانتخابات المحلية عاملاً مساعداً في الوصول إلى استقرار في المشهد السياسي في الأراضي الفلسطينية سواء في الضفة الغربية التي تشهد اعتقالات سياسية بحق مقاومين وناشطين سياسيين؛ أو في غزة المحاصرة منذ وصول حركة حماس إلى سدة الحكم بعد انتخابات المجلس التشريعي الثانية في يناير/ كانون الثاني 2006 وما نتج عن ذلك من شن الاحتلال الاسرائيلي حرباً شرسة على القطاع في الأعوام 2008-2009؛ 2012 ومؤخراً 2014 على التوالي.

لماذا الانتخابات المحلية؟

لكن ثمة أسئلة برسم الإجابة؛ حول دلالات موافقة الرئيس عباس على إجراء الانتخابات المحلية دون التشريعية والتي تأتي في سياق ضغوط أوروبية؛ بالتزامن مع التحولات الإقليمية في المنطقة العربية والتي ليست في صالح القضية الفلسطينية سواء من منظورها القريب أو البعيد؛ أو على مستوى الراعين الرسميين للقضية الفلسطينية والمصالحة الداخلية بين حركتي فتح وحماس كمصر والمملكة السعودية؛ حيث تنشغل الأولى بأزمتها الداخلية سياسياً وتبعات ذلك اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً، والتي تشهد تراجعاً غير مسبوق على الساحة الدولية؛ بينما تنشغل الثانية بتمدد النفوذ الإيراني في المنطقة واستمرار الأزمة السورية وتعقيداتها في ظل مغادرة الرئيس أوباما وإدارته للبيت الأبيض؛ كما يشير ذلك إلى دخول القضية الفلسطينية بشأنيها الخارجي والداخلي مرحلة من الهدوء السلبي ربما تمتد إلى عامين إلى حين حدوث اختراق ما في الساحتين الاقليمية والدولية.

يتضح من قرار الرئيس عباس وسعيه بإجراء الانتخابات المحلية -إن أُجريت في موعدها- إلى تضييق الخيارات أمام المواطن الفلسطيني، بين أن ينتخب سُلطة مقبولة ومدعومة دولياً وبيدها مفاتيح الأموال والرواتب والتوظيف؛ أو أن ينتخب غريمها السياسي حركة حماس؛ وهي -الأخيرة- غير مقبولة إقليمياً ودولياً، بل ومحاصرة منذ 10 سنوات تقريباً وفقدت مناصريها ومنابع تمويلها الخارجي برغم التفاف شعبي حول مشروعها وخيار المقاومة ضد الاحتلال.

شهدت الأراضي الفلسطينية انتخابات عامة مرة واحدة عام 1996؛ وانتخابات رئاسية واحدة عام 2005 تبعها انتخابات تشريعية عام 2006؛ وانتخابات محلية جزئية عام 2012 في الضفة الغربية وحدها؛ في الوقت الذي رفضت حكومة غزة اجراءها دون توافق على كافة القضايا العالقة منذ ذلك الوقت؛ بينما منع الاحتلال أن تشمل الانتخابات مدينة القدس.

السلبية في القوائم الانتخابية

برغم حالة الأمل الممزوجة بحالة من الترقُّب التي يعيشها الفلسطينيون مما ستسفر عنه الانتخابات المحلية القادمة؛ إلا أن تخوفات مشروعة تلوح في الأفق لليوم الثاني مابعد انتهاء عملية الاقتراع وإعلان النتائج؛ فإجراء الانتخابات على شاكلتها الحالية يعني استمراراً للصراع السياسي بين حزبين فقط هما حركتا فتح وحماس، والذي لم ينته أو يتوقف منذ الانتخابات التشريعية الثانية والأخيرة عام 2006؛ بل يزداد الخلاف اتساعاً وعمقاً بينها؛ في الوقت الذي يتم فيه تحييد الفصائل الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني عن القيام بدور ما تجاه الأزمة المتفاقمة.

كما ستعمل الانتخابات بأسلوبها الحالي بنظام القوائم على استبعاد وقتل للكفاءات الوطنية والمستقلين بل وإجبار الجميع على المرور من البوابة الحزبية؛ حيث تسود حالة نسبية من عدم القبول لحركتي حماس وفتح؛ فالرفض للأول يأتي تفادياً وتجنباً لحصار جديد أو استمرار الحصار الحالي بسبب وجودها في الحكم والتي جاءت عبر صناديق الاقتراع بمعزل عن حالة التأييد للمقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي؛ أما الرفض للسلطة الفلسطينية فهو بسبب ممارساتها التمييزية بين الموظفين ووقوفها ضد المقاومة مع عمليات التنسيق الأمني التي لم تتوقف يوماً واحداً منذ إنشاء السلطة؛ وهما خطان متوازيان لا يلتقيان أو يتقاطعان.

تجاوزات لقانون الانتخابات

شكّل مرسوم الرئيس عباس الأخير والذي نَصّ على تخصيص 67 مقعداً للمسيحيين مقابل 40 مقعداً للمسلمين في 9 مجالس محلية في الضفة الغربية بالإضافة إلى النص على وجوب أن يكون رئيس هذه المجالس مسيحياً، باعثاً ربما على عدم الأمل بتحقق الوصول إلى مرحلة تنفيذ الانتخابات؛ كما أنه ولأول مرة يعمل على انقسام ديني في فلسطين لم يحدث سابقاً مما ينذر بعواقب لا تُحمد عواقبها؛ في الوقت الذي لا تتعدى فيه نسبة المسيحيين في فلسطين عموماً 1% من سكانها، بينما نسبتهم في الضفة تبلغ 1.4%؛ وفي غزة 0.05% من عدد السكان، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية عن نية الرئيس من مرسومه الأخير بالخصوص!.

لم تكن تلك الإشكاليتان هما الوحيدتين للمرسوم الرئاسي، بل تكمن خطورته أيضاً في ثلاث مخالفات؛ الأولى أن الرئيس تجاوز –كعادته- قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم 10 لسنة 2005 وتعديلاته، الذي لا يُخِّول الرئيس عباس اشتراط أن يكون رئيس تلك المجالس مسيحياً كما ورد في مرسومه؛ ومُسَجِّلاً مخالفة ثانية لنص الفقرة 3 من المادة 56 من قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم 10 لسنة 2005 وتعديلاته، التي تؤكد على أن “يَنْتَخِب المجلسُ رئيساً له بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، وفي حالة عدم حصول أي من المرشحين على الأغلبية المطلقة، تُعاد الانتخابات بين الحائزين على أعلى الأصوات، ويكون المرشح الفائز بأعلى الأصوات في المرة الثانية رئيساً للمجلس، وفي حال تساوت الأصوات يتم اختيار رئيس المجلس بالقرعة”؛ ويتجاوز المرسوم الرئاسي مخالفة ثالثة تتمثل في الحق الدستوري الذي كفلته المادة 9 من القانون الأساسي الفلسطيني التي تؤكد أن “الفلسطينيون أمام القانون والقضاء سواء لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة “.

ومن ضمن الإشكال في هذه الانتخابات المحلية؛ عدم وجود طرف دولي أو إقليمي ضامن لاحترام نتائج الانتخابات بناءً على التجربة السابقة في الانتخابات التشريعية عام 2006؛ بالإضافة إلى الاستمرار في حالة عدم التوافق على القضايا الكبرى موضع الخلاف الأساس بين الطرفين؛ برغم توقيع العديد من الاتفاقيات والتفاهمات بين الجانبين منها تفاهمات القاهرة 2005 ومروراً باتفاق مكة عام 2007 واتفاقية صنعاء وإعلان الدوحة 2012 واتفاق الشاطئ عام 2014 والعديد من اللقاءات الجانبية والخاصة؛ يدلل بشكل صريح أن الأزمة ليست في مبدأ العملية الانتخابية بقدر ما هي توافق سياسي وطني حول قضايا خلافية تمثل كينونة السلطة الفلسطينية ومهامها وإصلاح مؤسساتها؛ بالاضافة إلى طبيعة العلاقة مع الاحتلال الاسرائيلي، كما تمثل المقاومة إحدى أهم العقبات الخلافية الرئيسة العصية على الحل؛ حيث لم تعد الساحة الفلسطينية تحتمل مزيداً من إعادة تأزيم الوضع الداخلي، عبر مغامرات لن يجني منها الشعب إلا مزيداً من ضياع السنوات وإهدار الأموال لصالح ديمقراطية ليست محل احترام أو تقدير من قبل المسؤولين، بقدر ما هي دعم لحلفائهم وتثبيتاً لنفوذهم.

سيناريوهات مرحلة ما بعد نتائج الانتخابات:

فوز حماس: لاشك بأن شخصية رئيس السلطة غير مقبولة في قطاع غزة وبخاصة لدى موظفي الحكومة وعناصر حركة حماس ومؤيديها ومناصريها؛ وأن حالة عدم القبول ترجع إلى مواقف الرئيس عباس اتجاه عرقلة المصالحة الوطنية وجهوده ضد كسر الحصار عن غزة منذ استلام حركة حماس ودخولها الحكم بعد فوزها الأول في الانتخابات التشريعية في 25 يناير/ كانون الثاني 2006؛ كما تأتي حالة عدم القبول بعد تأييده لمواقف النظام المصري وحالة العداء مع حركة حماس وغزة بشكل عام؛ وبالتالي فإن دخول حركة حماس بقائمة سياسية في الانتخابات سيكون في حال فوزها بمثابة الأمنية التي يرغب بتحقيقها الرئيس عباس وهو ما يعني استمراراً للحصار وعدم الاقتراب من المصالحة الوطنية؛ كما أن حركة حماس بالتأكيد ستعتبر فوزها في الانتخابات المحلية دليلاً على عدم هبوط شعبيتها وتمسك المواطنين بها في الحكم برغم عشر سنوات عجاف من الحصار وأخطاء في إدارة الحكم طوال تلك الفترة؛ لكن ذلك لن يمنع الرئيس عباس من إلقاء غزة ثانية إلى مصيرها مع حماس لفترة ليست قصيرة إلى حين حدوث اختراق محلي أو إقليمي ما لصالحه.

فوز فتح: في حال فوز فتح فإن السلطة الفلسطينية ستقوم بالطلب من الإدارة السابقة للبلديات في قطاع غزة بتسليمها البلديات؛ على غرار ما حدث سابقاً بخصوص إدارة معبر رفح؛ وستقوم السلطة الفلسطينية بالدخول في إشكال قائم حتى الآن، وهو الطلب من موظفي حكومة حماس بالانصراف من أماكن عملهم بسبب عدم اعترافها بهم وأنهم ليسوا موظفين رسميين في السلطة الفلسطينية؛ الأمر الذي سيعيد الإشكال السابق إلى السطح من جديد؛ وهو الأمر الذي لن تقبل به حماس -مضطرة- وستصر عليه السلطة الفلسطينية، مما يعني الدخول في أزمة مستمرة عن أزمة الحكومة الفلسطينية العاشرة برئاسة اسماعيل هنية.

ختاماً؛ ولعدم جهوزية المنطقة وانشغال بعض دولها في مشاكلها الداخلية مابعد الثورات العربية، وتراجع الدور والمكانة للبعض الآخر؛ فإن المناورة التي بدأها الرئيس عباس بالتوجه نحو إجراء الانتخابات برغم عدم وجود تشاور سابق مع حركة حماس بشأنها، واجهتها الحركة بمناورة الموفقة على إجرائها؛ لكن إمكانية تأجيل إجراء الانتخابات تبقى أقوى ما يلوح في أفق المشهد الفلسطيني، وسط تدهور في القضية وتهويد للأرض والمقدسات.

رامي الجندي
صحفي وباحث فلسطيني – اسطنبول

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان