لم أتخيّل يومًا أنّي حينَ أكون في الخامس والعشرين من عمري، سأقفُ على عتبةِ الزواجِ وأًصدَمَ بواقعٍ فيهِ من العجب العُجاب الكثير! يتبع

لم أتخيّل يومًا أنّي حينَ أكون في الخامس والعشرين من عمري، سأقفُ على عتبةِ الزواجِ وأًصدَمَ بواقعٍ فيهِ من العجب العُجاب الكثير!
رُبّما شحَّ اطّلاعي على سيرورة حفلات الزفافِ وما يترتب عليها بحُكم انصرافي صيفًا للدراسة لامتحانات الفصل الأخير لمدّة ستٍّ من السنوات على التوالي، والصَّيفُ كما نعرفُ جميعًا فصل الأفراحِ والليالي الملاح، والسهراتِ والأضواء والزِّينةِ والحياةِ المستمرّةِ حتى مطلع الفجرِ، ليسَ بهدفِ الدراسةِ وحسب، بل للرقص والفرح في الحارات والشوارع المحاذيةِ لبيت والدّي العريس أو العروس!
بحُكم اقتراب موعد زفافي ، كُنّا اتّفقنا أنا وخاطِبي العزيز أنس أنّنا نُريدُ فرحًا بسيطًا جميلًا نختارُ تفاصيلهُ بأنفسنا وعلى ذَوقِنا، شريطَةَ ألّا نُبالغَ وألّا نُسرِفَ في المصاريفِ ونبدأ حياتَنا كزوجٍ مُسرِفٍ، حيثُ إنَّنا متّفقانِ منذ تعارُفنا الأول على أنَّ الأشياء الجميلة واللحظات الثمينةَ السعيدةَ أَمرٌ لا يُشترى بالمالِ، وإنّما جُعل المالُ وسيلةً لتيسيرِ الحياةِ وتأمينها لا غايةً نسعى وراءها لصرفها وتطييرها في حينِ ننسى أننا خُلِقنا لرسالةٍ أبعد من ذلك، وفي هذه المضامين الوجوديّة قد يطول الشرحُ وقد لا ينتهي.
كعروسٍ تُهيئُ نفسها للبس الأبيضِ كانَ لا بُدّ لي للبحثِ من بين عشرات الفساتين الناصعةِ لأجدَ لي فستانًا بسيطًا كما أحبُّه، كنتُ قد هيأت نفسي لصعوبةِ إيجاد فستانٍ دون بهارجَ وأحجارَ وزينةٍ كثرة لأنها “الموضة” اليوم و”هذا الماشي بالسوق”، لكنّني صُدِمتُ بجزئيّةٍ أُخرى لم أُلقِ لها بالًا من قبل!
ما بين البحثِ وطلب اقتراحٍ للأسعار، وجدتُ أن استئجارَ أرخصِ فُستانٍ ليومٍ واحدٍ بل بالأحرى لبضع سويعاتٍ يكَلّف ما بين 1000-2000 دولار وقد تتجاوز بعض الفساتين هذا المجال بأشواط !!
صدقًا حتّى هذه اللحظة لم أفهم كيف استطاع السوق أن يستغلَّ الحاجة المألوفة لدى كلّ عروس ويتحكّم بعقل المشتري لهذه الدرجة المهينةِ حسبَ رأيي، والمصيبة العظمى أنَّ الغالبية العظمى تخضعُ مضطرّةً لأن تدفع مبالغَ باهظةً لقاءَ خدمةٍ لو أضفنا إليها فوائدَ وبخشيشًا كبيرًا لما تجاوزَ المبلغ الطبيعي المخصّص لها نصف بل ربعَ المبلغ المطروح!
كعروسٍ تُهيئُ نفسها للبس الأبيضِ كانَ لا بُدّ لي للبحثِ من بين عشرات الفساتين الناصعةِ لأجدَ لي فستانًا بسيطًا كما أحبُّه، كنتُ قد هيأت نفسي لصعوبةِ إيجاد فستانٍ دون بهارجَ وأحجارَ وزينةٍ كثرة لأنها “الموضة”
عن نفسي حاوّلتُ البحث عن بديلٍ منطقيٍّ لا يُشعرني بمهانةِ الاستغلالِ الماديّ ولا يتعارضُ مع مبدأ البساطة وعدم الإسراف الذي قرّرتُ أن أنتهجه منذ البداية خاصةً في يومٍ عظيمٍ في حياتي، وتجاوزتُ الكثير من الانتقادات والتعليقات على نحو: “لشو هذا البخل؟” و”الكل بدفع هيك اشمعنا انت مستغلية؟”، و”زيّك زي غيرك ما حدا أحسن منك”، لكنّني لم أقتنع بأن أرمي مالي ومبدأي عرض الحائط لأسير مع الركبِ الذي اهترأت حياته جرّاء القوالب المجتمعيّة التي رضي طواعيةً أو تكاسُلًا أو خجلًا أو خوفًا بأن يضعُ نفسه فيها!
والحمد لله يسّر لي الله بأن أحصل على فستانِ أحلامي كما أُحبُّ تمامًا بمبلغٍ لا يتجاوزُ ربع المبلغ الذي عرضَ علي أرخص فستانٍ فيه، ولهذا قصّةٌ جميلةٌ يطولُ سردُ تفاصيلها التي ستبقى ذكرى جميلةً لفترةِ تحضيراتِ زفافي، والفستان الأبيض ما هو إلا جزءٌ صغيرٌ من مشاريعَ كثيرةٍ يسّرها الله على أهون الأسبابِ وأرجّحُ ذلك للنيّة التي عقدناها قبل المباشرةِ بالتحضيرات.
ما أوّدُ قوله من سردِ هذا الجزءِ الصغيرِ من تجربتي التي لم تنتهِ بعدُ، هو أنَّ على مجتمعنا المهترئ بالعاداتِ والقوالبِ الباليةِ والسيرِ كالقطيعِ في ركبِ البهرج الفارغ في مناسباته المختلفةِ وليست الأفراحَ فقط ، عليه أن ينظُرَ للأمورِ من زاويةٍ أُخرى أكثر منطقيّةً وعقلانيّةَ وهنا دورُ الجيل الجديد من الشباب، لا تنخدعوا بالمظاهر البالية، واقتصدوا فيها كي تستثمروا مجهودكم وأموالكم في أمورٍ أعظم تستفيدون منها وتُفيدونَ من حولَكُم، فكم من مشاريعَ وأفكارَ عظيمةٍ ذهبت هباء الرّيحِ وطوتها الأيام لأنَّ سوء التدبير لها والتكاسلَ عنها كان في سبيل إرضاء المجتمع ومن فيه وعدم الخروج عن السرب…. أُخرُج عن السرب وحلّق بعيدًا إذا لزم الأمرُ والظرفُ ذلك ولا تخشَ أن تضلَّ الطريق طالما كان بوصلتكُ في قلبك!
رقيّة صبّاح
ماجيستير في أبحاث جهاز المناعة والأمراض السرطانية – فلسطين
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
