علاقة المجتمعات بأنظمتها الحاكمة ليست علاقة هادئة على الدوام، ففي كثير من الأحيان تعرف روابط السلطة تصدعات واهتزازات يفرزها الغلق والاستبداد. يتبع

علاقة المجتمعات بأنظمتها الحاكمة ليست علاقة هادئة على الدوام، ففي كثير من الأحيان تعرف روابط السلطة تصدعات واهتزازات يفرزها الغلق والاستبداد وتعطيل آلية انتقال السلطة والتغير الدوري للإدارات، هذه الآلية التي تعرف اليوم بالديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة، فيهب المجتمع ليمارس سلطته في التغيير، هذه السلطة التي قد تترجم عبر سلوك عنيف أو ثوري يتم من خلاله الدفع بعملية تغييرية يراد منها بناء واقع يتوافق مع تطلعات الشعوب وقدراتها الإبداعية.
لكن في الوقت الذي تهب فيه رياح التغيير وتعلن الجماهير عن رغبتها وإرادتها في استرجاع زمام القيادة، تدفع الأنظمة الحاكمة بطريقة تلقائية بأدواتها الأمنية لكبح السلوك التغييري، فيستل أصحاب السلطان سيوفهم، ويجمعون أكبر قدر من التبريرات والشعارات والقيم ليتم شحنها في جسد الآلة الأمنية لكي تقوم بمهامها التطهيرية دون اعتراض أو شعور بالذنب، فيتم الحديث عن المصلحة الوطنية، والأيادي الخارجية، والمؤامرة وغير ذلك من الشعارات التي يخشى الكثير مناقشتها، وإخضاعها لمعايير العقل والمنطق أو على الأقل لمقتضيات الإنسانية والرحمة، فيصبح من السهل إبادة آلاف المحتجين بدعوى مصلحة الوطن في الوقت الذي تعجز الأنظمة عن حفظ حقهم وكرامتهم تحت نفس الذريعة.
تخرج جموع الجماهير المثقلة بتراكمات الممارسات السياسية المستبدة، لتواجه بفقرها، وبعوزها وبتطلعها للحرية آليات أمنية يحتكرها النظام، ولديه القدرات الحصرية لتوجيهها ضمن علاقة قوة غير متكافئة، ففي الوقت الذي يصرخ المواطن البسيط بأعلى صوته للحرية، ويحمل المثقف قطعة قماش أو ورق يكتب عليها شعارات المجتمع ومطالبه، ويحمل آخر راية الوطن، يملك أصحاب السلطة دبابات وقنابل مسيلة للدموع، ورصاصا حيا، ومجموعة من الأشخاص مستعدين لإطلاق النار بمجرد تلقي الأمر، وتنتهي المعركة بحصيلة قتلى في صفوف المتظاهرين، وحصيلة جرحى، ومجموعة من المعتقلين السياسيين، فيما تتفوق غريزة البقاء عن التطلع للحرية في نفوس الباقين فيهرعون إلى بيوتهم خوفا من فقدان حياتهم، ليستسلموا من جديد لبؤسهم وعوزهم مؤجلين التغيير إلى أجل غير معلوم، قد تتوقف القصة هنا، وقد تنفجر من جديد، وقد يلجأ الطامعون في التغيير لجمع آليات الرعب لجعل ميزان القوة أكثر عدلا وأقل خسارة، لكن هذا الإجراء قد يخدش كرامة الطامحين في التغيير وقد يضرب سلمية المسعى ونبله في الصميم، خاصة وإن كان تعديل ميزان القوة بتدخل طرف ثالث.
ينبغي القول أن الأنظمة المستبدة المعمرة طويلا لا تثق دائما في آلياتها الأمنية، خاصة في جيوشها، فالعدو يخشى قوة الجيش، والمواطن البسيط يخشى ظلمه وقمعه، لكن السياسي المستبد يخشى قيمه
في ظروف كهذه قد يكتب التاريخ، بقلم الحكام طبعا، أنه يوما ما خرجت مجموعة من الخارجين عن القانون، والمجرمين والخونة، والإرهابيين، الذين تحركهم أياد أجنبية بهدف هدم الوحدة الوطنية وإسقاط الدولة وزعزعة ثوابتها، وقد تصدى لهم أحرار هذا الوطن بكل عزم وروح وطنية، حيث إن أكثر ما تبرع فيه أنظمة الاستبداد هي اختيار أجمل المفاهيم وأكثرها إثارة للوطنية والرعب في نفس الوقت.
إذا استثنينا أن يكون المستبدون مبدعين ورومانسيين، فان وظيفة صناعة الكلام قد تكون من نصيب منظري البلاط ومثقفيه، الذين ينتقل تفكيرهم من دراسة المجتمعات وتطويرها، إلى البحث في الطرق المثلى لإسكات الجماهير، وتنزيه الحكام عن الخطأ وتصوير ذرات إنجازاتهم إلى كتل جبلية من البطولات والتفوقات، ونسج مجموعة من الخرافات تخدم الحكام وتثبت وجودهم، لتصبح ابتسامة الزعيم، وحذاؤه، ولونه المفضل، وعلاقته بالنساء أولى وأهم من الديمقراطية والحرية والفقر، والبؤس، والغبن في مستوى الطبقات المجتمعية الدنيا.
يمكن أن تتوقف قصة التغيير عند هذا الحد، ويتوقف الحلم الحرياتي عند هذا المستوى، فتصبح استحالة التغيير أكثر صلابة، خاصة عندما يصبح الشباب الذين اعتقلوا ومات أصدقاؤهم أباء، فتمنعهم عاطفتهم من أن يجعلوا أبناءهم يعيشون نفس التجربة، كما يمكن أن يولد الحلم من جديد، وتنبعث روح الحرية في أجساد الجيل الجديد، الذي يعبر عن رفضه النظر للأمور بمعايير غير معاييره، ويرفض تسمية البؤس مصلحة وطنية، والانفتاح مؤامرة، والحرية فوضى، جيل يريد الحرية ويستعد للتضحية من اجلها، لكن هل الغلبة دائما للأنظمة باعتبارها مالكة للقوة؟
هناك فرضية تقول أنه في أي صراع مغلق بين الشعوب والأنظمة الحاكمة، تكون الغلبة حتميا للشعوب، من منطلق أن آليات الردع في الظروف العادية تكون من صلب المجتمع نفسه، مما يؤدي إلى إنتاج شعور مقيت بـ “اللاقضية”، فالجيوش لم تخلق لتقاتل مواطنيها، بل للدفاع عنهم، هناك مثال براق لهذا في التاريخ، لكنه لا يتعلق بصراع داخلي بقدر ما يتعلق بحرب حقيقية، أثناء الحرب العالمية الأولى، وهي ثورة نوفمبر 1918 الألمانية، حيث كانت القوات الألمانية قد وصلت إلى حد الرفض أن يضحى بها في سبيل أحلام مستحيلة تراود النخب الألمانية وقادة الجيوش، وقد دفعت هذه الثورة المنطلقة أساسا من منطق اللاقضية القيصر الألماني والأمراء إلى التخلي عن العرش وإقامة انتخابات جانفي “يناير” 1919،بعد مفاوضات ومشاورات طويلة تولتها الأحزاب.
ينبغي القول إن الأنظمة المستبدة المعمرة طويلا لا تثق دائما في آلياتها الأمنية، خاصة في جيوشها، فالعدو يخشى قوة الجيش، والمواطن البسيط يخشى ظلمه وقمعه، لكن السياسي المستبد يخشى قيمه، إذ يقول نيكولاس ميكيافيلي “يخشى من الميليشيات جبنها، ومن الجيوش قيمها”، من الممكن-وفي بعض الأحيان لا- أن يسأل حامل السلاح نفسه لماذا أقتل إنسانا أعزل فقط لأنه يطالب بالحرية، ولماذا أكون خصم الباحث عن الحرية وأقف في صف المستبد الذي هو سبب الفوضى وليس المواطن البسيط، لكن ينبغي أن نفهم أنه حتى من يحمل السلاح لقتل المتظاهر أو المحتج هو ضحية نفسه وحاجته، افتراض طرح تساؤلات كهذه داخل علبة الأمن يجعل العديد من المستبدين يلجأون إلى تطوير أدوات أمنية خارج الإطار الرسمي، قد تقتطعها لنفسها من المجتمع المظلوم نفسه، أو قد تستوردها من خارج الحدود تفاديا لأي مشاعر أو انفعالات أو صحوات ضمير مفاجئة غير مرغوب فيها.
بلقاسم القطعة
مدون جزائري
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
