محمد بن المختار الشنقيطي، يكتب كما لو أنه يقبع داخل عقول العامة، والنخبة أيضاً.. يتبع
محمد بن المختار الشنقيطي، يكتب كما لو أنه يقبع داخل عقول العامة، والنخبة أيضاً، عقل الشنقيطي يصفه د. القرضاوي (لديه من الأدوات العقليَّة والعلميَّة والمنهجيَّة ما يؤهله لذلك، من الوعي التاريخي، والمعرفة الإنسانية، والحس النقدي، والعلم الشرعي).
في كتابه أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية يقول الشنقيطي :(وبعد أكثر من ثمانية قرون على وفاة صلاح الدين، لا يسع المرء إلا أن يتعجب من بعد نظره في هذا المضمار، لقد كسب صلاح الدين بنبله احترام العدو والصديق على حد سواء فلما توفي تأسف الناس عليه، حتى الفرنج، لما كان من صدق وفائه وظل المؤرخون المسيحيون يتحدثون عن إحسان صلاح الدين وسخاء نفسه وشهامته منذ أيام الحروب الصليبية إلى اليوم، ابتداء من المؤرخ الصليبي وليام الصوري المعاصر للحروب الصليبية إلى المؤرخين الغربيين في القرن الحادي والعشرين، لقد ترك صلاح الدين الأيوبي أثرا باقيا لن تمحوه الأحقاد التاريخية والذاكرة الموتورة).
الكتاب يصافح عيون قراء الشنقيطي، وفي الوقت نفسه يعد بداية خطة تطويرية لبناء الروح العلمية المتسامحة، إن كتابات الشنقيطي لا تجيب على الأسئلة التي يطرحها العديد منا اليوم فحسب بل أيضا تؤصل لنص مبتكر ينظر إلى العالم دوما من أجل الأمام، إنه في شغل نفسي دائم يراقب المشهد باستمرار ينهل من مخزون ثقافي متوازن يتذوق الشعر فيصوغه فكرا ويذهب بنفسه لأماكن أخرى حيث توقف عن التفكير بها آخرون.
الشنقيطي لا يدور حول نفسه ولا يعيش داخل فكره، يبدو أن الرجل يتلذذ بأن يطلق حروفه في رحلة طليقة للعقل، فأقدامه العلمية رشيقة وأجنحته الفكرية متينه، يطرح الفكر المجرب ويتجاوز الفكر المعلب،
الشنقيطي لا يدور حول نفسه ولا يعيش داخل فكره، يبدو أن الرجل يتلذذ بأن يطلق حروفه في رحلة طليقة للعقل، فأقدامه العلمية رشيقة وأجنحته الفكرية متينه، يطرح الفكر المجرب ويتجاوز الفكر المعلب،
(والموفق من وقف مع الظلم ضد الظالمين بغض النظر عن المذهب والمعتقد وسعى لتضميد الجراح التي أثخنت أمة الإسلام، والمخذول من خذل الشعوب المظلومة المجاهدة في ساعة العسرة التي تعيشها اليوم )
المواصلة المعرفية عند الشنقيطي تعني أن تصف قدرا كبيرا بتفصيل تام، أن تثق في الوصف وأن تثق أكثر بثقتك على أن تنتقل من التوصيف إلى التوظيف ( فلن تخرج أمتنا من الطريق الذي قادها إلى الجهالة الطائفية والهمجية السياسية التي تعيشها اليوم إلا إذا أدركت كيف دخلت هذا الطريق المعتم ابتداء)
تعرفت على الدكتور الشنقيطي في أوائل الألفية الثانية، وكنت وراء نشر تراثه الفقهي الدستوري والتأصيلي التاريخي ، مع مرور الوقت اكتشفت الكثير من التفاصيل في ذهنية هذا الرجل
في كتابه الفتاوى السياسية أجاب الدكتور الشنقيطي على سؤال ورده فقال:( هنالك فرق بين العمل للإسلام في جماعة معينة يرجح العامل أنها أحسن الجماعات العاملة فاعلية وأداء مع الحفاظ على الولاء لجميع المسلمين ومد يد العون إليهم والتعاون معهم وبين منح الولاء لهذه الجماعة حصرا دون سواها من المسلمين والتمسك بموقف الريبة والتعصب ضد أبناء الملة).
وعندما نبصر في الطريق أولئك الذين وقعوا في فتنة العمل السياسي والإسلامي ما الإيجابي في هذا وما هو الأكثر إيجابية ؟وكيف نتجاوز عقل المناكفة والفردية؟ وكيف نتجاوز التمويه ونكون مؤسسات فاعلة لا منفعلة ؟كيف نتجاوز الاستلاب إلى الماضي فنعيش غربة عن الحاضر ؟وكيف نتجاوز غربة الأفكار المستلبة من الوافد والتي لا يمكن أن تأخذ فرصتها حتى تفقص بيننا .
يقول الدكتور الشنقيطي : (لكل من العمل السياسي والعمل الدعوي منطقه فالأول يحكمه منطق المغالبة والثاني يحكمه منطق الاكتساب فلا بد أن يكون العمل الدعوي والتربوي مفتوحا سواء اتفق الداعي معهم أم اختلف).
أوضح الشنقيطي منذ زمن بعيد أن (الإلحاح في فقهنا السياسي على الخوف من الفتنة ووجوب الطاعة مع عدم التدقيق في هذه المعاني وعدم التمييز فقهيا بين التعاطي مع سلطة شرعية لها بيعة اختيارية في أعناق الناس يجب الوفاء بها وبين سلطة مغتصبة لا بيعة لها ولا طاعة شرعا بل هي جزء من المنكر الذي يجب تغييره)
لعل الدكتور الشنقيطي أول المتنبئين بفشل الإسلاميين في الوصول إلى السلطة والحكم حيث قال (ومن الأسباب التي تحول بين الإسلاميين والوصول الى السلطة عدم قدرة الإسلاميين على إبعاد الجيش عن الحياة السياسية وهو الشرط الأول في بناء أي سلطة شرعية تتأسس على الاختيار لا على القوة).
ولعل الدكتور الشنقيطي أول المتنبئين بفشل الإسلاميين في الوصول إلى السلطة والحكم حيث قال (ومن الأسباب التي تحول بين الإسلاميين والوصول الى السلطة عدم قدرة الإسلاميين على إبعاد الجيش عن الحياة السياسية وهو الشرط الأول في بناء أي سلطة شرعية تتأسس على الاختيار لا على القوة).
إنه على مذهب خالد محمد خالد في وضوح الرؤية وتصور الهدف حيث يذكر خالد محمد خالد في كتابه لكي لا تحرثوا في البحر( اعرفوا الحق ثم اتبعوه وسيجعلكم الحق أحرارا).
سريعا ما بزغ نجم الدكتور الشنقيطي في سماء عالم المعرفة في فترة مظلمة يسودها كساد عظيم تقلل من قيمة الحرف المقروء ويفقد الدين هيبته في ظل اتجاهات سائدة تريد شيطنة الدين أو تحويله إلى دكان أو ديناميت أو سكين .
والرجل يكتب في ثلاثة أجناس متداخلة، الشعر، والفقه، والدستورية.
جراح الروح في قلمي ** تفيـض بدمـعة ودمِ
فتسقيــني عذابـاتي ** تباريحًـا من الألـمِ
أناجي الركب مشتاقا ** لجيرانٍ بذي سلَــمِ
على رمضائهم أشـدو ** وأعدو حافيَ القـدم
وعرف الشنقيطي نفسه فقال
(إسلامي بأفق إنساني، من إخوان الإخوان المسلمين وبقايا المؤمنين بالربيع العربي. أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان بجامعة حمَد بن خليفة في قطر).
في كتابه “آراء الترابي من غير تكفير ولا تشهير” تظهر الملكة العلمية للدكتور الشنقيطي، وحسب بعض النقاد، هي ليست لدراسة آراء الترابي فحسب وإنما أفكار في دراسة النصوص الدينية وأدب الخلافات الفقهية، منهجية الدراسة تعتمد على أن أغلب الآراء الدينية الشاذة تجد لها ممن يسمون اصطلاحاً بالسلف متبنين لها فتجد أن الإجماع – يتصوره البعض ويحكيه جاهلاً بآراءٍ تعارض الرأي السائد حملت الدراسة أيضاً فكرة أن الرأي حتى لو كان مشهوراً لا يعني أنه هو الصواب.
فكرة النقل دون التثبت ورؤية الصورة غير كاملة والتسرع في الحكم على البعض أمراض أصيب بها عدد من العلماء في الرد على الترابي وعلى غيره .
وفي الدستورية يرى الدكتور الشنقيطي ( أن الخلاف الديني لا يتحول إلى فتنة سياسية وصراعا عسكريا إلا إذا لابسه ظلم وإذا كانت مواجهة الظلم فريضة وفضيلة ولا مفر من صب الصائل وردع المتواطئ معه من داخل حصوننا المهددة فإن المسوغ الشرعي لقتال الظالم هو ظلمه لا دينه أو مذهبه أو طائفته، أما الرد على الطائفية بطائفية فهو طريق مفلس أخلاقيا، مسدود سياسيا فثقافة الطائفية والثأر الأبدي قد تعين على الانتقام أو على تغيير ميزان القوى الظرفي لكنها لا تبني مجتمعات العدل والحريّة التي تسع جميع أهلها بمختلف مشاربهم ومذاهبهم ، وإنما تنهزم الطائفية بنقض المنطق الطائفي من أساسه وبانتصار الفرد الحر على الجماعة المغلقة لا بانتصار طائفة على أخرى.
أما الدواء الشافي للطائفية الذي لا دواء سواه فهو العدل والحريّة للجميع دون ازدواجية).
د. علاء الدين ال رشي
مدير العلاقات العامة في المركز التعليمي لحقوق الإسان -ألمانيا
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها
