دأبت الحركة الإسلامية عموما سواء كانت سياسية أو جهادية على التغني بأمجاد الماضي التليد وكأنه صفحة ناصعة البياض بشكل يتجاهل تماما ما مارسه كثير من الخلفاء الأمويين والعباسيين.
حين انتقد زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في أحد تسجيلاته قبل عامين تقريبا إعلان تنظيم الدولة الإسلامية للخلافة، كان من بين ما عابه على قادة التنظيم أنهم يقيمون خلافة ليست على منهاج النبوة كما يدعون، بل على طريقة الحجاج بن يوسف الثقفي وأبي مسلم الخراساني، وهو وجه نقد يستحق التأمل.
دأبت الحركة الإسلامية عموما سواء كانت سياسية أو جهادية (مسلحة) على التغني بأمجاد الماضي التليد وكأنه صفحة ناصعة البياض بشكل يتجاهل تماما ما مارسه كثير من الخلفاء الأمويين والعباسيين بحق الرعية عموما والمعارضين خصوصا، بل ولأسباب قد تكون فكرية بحتة لا أثر لها على أرض الواقع، ما يخالف سيرة الخلفاء الراشدين.
فإن كان الحسن بن علي قد لقي ربه مسموما على الأرجح، وفُصل رأسُ الحسين عن جسده، ثم صُلب عبد الله بن الزبير في مكة المكرمة من أجل توطيد سلطان الأمويين، فإن الإمام أحمد بن حنبل مثلا عانى الأمرين في محنة خلق القرآن في عهد العباسيين، رغم أنها قضية فكرية لا علاقة مباشرة لها بهوية صاحب السلطان واستتباب الأمر له.
ومع ذلك فإن غالبية الإسلاميين – سياسيين كانوا أو جهاديين- اعتادوا دوما الحديث عن مآثر الحجاج وعن قوة الدولة في عهد بني العباس، من دون ذكر للجوانب السياسية والاجتماعية المتردية في أغلب فترات تلك العهود.
لعل كثيرا منا يذكر أنشودة للإسلاميين الجامعية كانت تقول في أحد أجزائها “أين الرشيد وأين معتصم يغار!” من باب المقارنة بين مواقف الحكام سابقا وحاليا تجاه قضايا الأمة، وكيف أن المعتصم العباسي فتح عمورية انتقاما للمرأة التي استغاثت به، في حين يترك الحكام اليوم الأقصى جريحا دون التفات.
والمؤسف أن تلك الأنشودة أو تلك الصورة المصدرة تتجاهل مثلا سير المعتصم على نفس خطى المأمون في محنة خلق القرآن، وكيف كانت محاكم التفتيش مفتوحة في عصره لكل من لم يؤيد قول المعتزلة في تلك القضية الفكرية.
ولفترة غير قصيرة كان توجيه أي نوع من النقد لسياسات العباسيين والأمويين يعني فورا استقبال اتهامات بالتشيع أو الدعوة للعلمانية باعتبار أن تلك العصور تمثل سقف طموح مسلمي اليوم وأن على الجميع العمل على إعادتها بحذافيرها.
ربما نتفق على أنها كانت عصورا مضيئة من النواحي العلمية والفكرية والأدبية ولكننا بالتأكيد لا نرغب في تكرار مآسيها السياسية والاجتماعية، وللأسف ظلت تلك القناعة غائبة عن وجدان الإسلاميين وأدبيات أغلب مفكريهم لفترة طويلة، إما عن غفلة أو عن تجاهل متعمد خوفا من الاتهامات المعتادة.
ومن هنا كانت المفاجأة في خطاب الظواهري الأخير، فربما يكون هو أول شخصية إسلامية ذات وزن تعلن جهارا رفضها –ولو ضمنا-لشرعية حكم الأمويين والعباسيين، وكلنا نعلم أنه دون سيفيّ الحجاج وأبي مسلم لما استتبت الأمور للدولتين، فالتبرؤ من هذين النموذجين يعني بالضرورة نقض شرعية أساس الحكم في كل منهما.
صحيح ينبغي أن يكون لنا موقف ثابت من الأمويين تحديدا كونهم أول من أدخل الحكم الوراثي في الإسلام، أعني موقفا مبدئيا يتبنى الرفض على أساس آلية تولي السلطة لا سياساتها، ولكن مجرد رفض سياساتهم تلك –وإن جاء متأخرا-يعني تقدما كبيرا في الفكر السياسي الإسلامي بوجه عام.
إن المفارقة تزداد حين يأتي النقد من شخصية إسلامية جهادية وليست سياسية، لأن المتوقع أن يميل الجهاديون عموما لتعظيم القوة والحزم اللذين اتسم بهما سلطان الدولتين في وجود الحجاج وأبي مسلم، ولا زلنا نأمل أن يصل صدى النقد هذا إلى الحركات السياسية السلمية، عساها تراجع شيئا من أدبياتها في ضوء قراءة غير طفولية للتاريخ.
إن هذه المراجعة التي نتحدث عنها ضرورية بالنظر إلى أن الإكثار من الإعجاب بقوة الدولتين الغابرتين أورثنا في عصورنا هذه الترحم على صدام حسين والتصفيق لجمال عبد الناصر بسبب مواقف قومية –بدلا من كونها إسلامية-مع تجاهل تام للقمع الذي تعرض له الشعبان العراقي والمصري في الخلفية.
إن عدم قراءة التاريخ بشيء من الصراحة يجعل الإسلاميين في ازدواجية كبيرة، فهم يعظمون رموزا للقمع الأموي والعباسي، ويعيبون على الأنظمة العربية اليوم السير على نفس النهج، مع أن الاختلاف الوحيد بين طغاة الأمس واليوم هو انتفاء التقدم التقني قبل ذلك وتراجع الحركة العلمية في مجتمعاتنا الآن، أما سياسيا واجتماعيا فالحكم يكاد يكون وراثيا وإن كان بين طبقات أو طوائف لا أسر بالضرورة، والوضع الاجتماعي حدث ولا حرج، أٌقوام في القصور وآخرون يسكنون القبور.
إن أي تصور واضح لأية حركة إسلامية بخصوص الأهداف والوسائل لن يكون ممكنا إلا بحسم موقفها من تلك النماذج التاريخية التي يتم استدعاؤها كل حين وآخر، فلا يجوز أن يشعر الإسلامي بالحنين إلى عهود عانى فيها الناس ما يعانيه هو اليوم، ولا ينبغي أن يلتمس العذر والتأوُّل لطاغية الأمس ثم ينكره على ديكتاتور اليوم.
إن القراءة العادلة للماضي البعيد هي وحدها التي ستمكن الإسلاميين من تلافي الازدواجية والتعلم من أخطاء الماضي القريب، حينها فقط لن نرى منهم من يلدغ من الجحر نفسه مرتين في القرن ذاته.
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

