يتحدث البعض عن قضية المصالحة فيما يخص العلاقة بين الإخوان والانقلاب ويسوق الروايات التي تُروى هنا وهناك عن جهود تبذل لإتمامها أو التمهيد لها أو حتي إيجاد بيئة مواتيه لطرحها.
يتحدث البعض عن قضية المصالحة فيما يخص العلاقة بين الإخوان المسلمين والانقلاب ويسوق الروايات التي تُروى هنا وهناك عن جهود تبذل لإتمامها أو التمهيد لها أو حتي إيجاد بيئة مواتيه لطرحها.
أيا كانت صحة ذلك فإن السؤال الأبرز الذي يجب طرحه هنا هو ماذا فقد الإخوان بحدوث الانقلاب وهل ستعيد لهم المصالحة ما فقدوا؟
لعل أبرز النقاط التي يمكننا تناولها من زاوية ما فقد الإخوان هي تلك النقاط العشر :
أولا: إزاحة واستبعاد وتعطيل المنظومة السياسية التي حازوها في خمس استحقاقات دستورية الرئيس – الوزراء – الحزب – عضوية مجلسي الشعب والشوري – ومن قبل ذلك الدستور كمنظم للعمل السياسي.
ثانيا: عدد كبير من الشهداء والجرحى والمصابين بإصابات بالغة وعاهات مستديمة
ثالثا: عدد كبير من المعتقلين السياسيين في السجون بين محكوميات بالإعدام أو مدد طويلة بزعم ممارسة العنف أو مدد قصيرة يتبعها الدخول بين شقي رحي لتتكرر عليهم حالات الضبط مجدداً عند أي قضية مفتوحة أو المراقبة الشرطية والبيات يومياً في أقسام الشرطة.
رابعا: حالات متكررة من الاعتداء الصارخ علي النساء والتي وصلت في بعضها لحد الاغتصاب بالإضافة لجوانب أخرى مادية ومعنوية خلَفَها اعتقال العائل أو مطاردته أو قتله.
خامسا: الإفراط في حالات التسريح من العمل والفصل التعسفي والاستيلاء على المستحقات وعدم إعادة كثير ممن سبق اعتقالهم إلى وظائفهم وبخاصة العليا منها.
سادسا: مصادرة أموال بالمليارات ومقرات وشركات وأوراق وأرصدة وحسابات لرجال الأعمال وصدور قرارات التحفظ عليهم من ثم وضع كثير منهم بعد ذلك على قوائم الإرهاب.
سابعا: إلجاء عدد كبير للهجرة القسرية سواء من سبق اعتقاله أو من تم إدراجه في العديد من القضايا المتنوعة بين عسكرية وجنائية .
ثامنا: فقد مساحات العمل العام التي كانت تحوز فيها الجماعة وضعية واقعية يفرضها فعل التدافع والوجود الفعلي في المساجد والجامعات والمدارس والنقابات والنوادي وغيرها من الفضاء الاجتماعي العام.
تاسعا: تعطيل القدرات المالية في ظل استنزاف ممنهج للأموال منذ بداية الانقلاب سواء في المصروفات الاعتيادية علي المعتقلين وذويهم وذوي الشهداء والمطاردين وفاقدي العمل أو في الكفالات القانونية وأحكام الغرامات وكل ذلك قد يقدر بعشرات الملايين.
عاشراً: لعل هذه النقطة هي الأهم بين النقاط العشر التي فقدها الإخوان بالانقلاب وهي التغيير الهائل في البنية النفسية للأفراد واهتزاز كثير من القيم الرابطة بين مستوياتها التنظيمية في جانب المؤسسات أو الأفراد والذي يمس كافة أركانها كدعوة وجماعة بدءًا بالفهم وانتهاءً بالثقة ضمن حالة السيولة التي نتجت عن هجمات الانقلاب الشرسة أو عوامل الخلاف التي تلت ذلك.
هذه العشر ليست جامعة مانعة إلا أنها تصلح كقواعد تنتظم تحتها كثير من الفروع هذا من جانب، من جانب آخر هذه النقاط تخص الإخوان المسلمين على الصعيد المصري الداخلي وهي مغايرة بطبيعة الحال للشأن الإقليمي والدولي.
إذا هل ستعيد المصالحة للإخوان المسلمين ما فقدوه بالانقلاب؟
للإجابة عن هذا السؤال ثلاثة جوانب رئيسية في ضوء النقاط العشر السابقة:
الجانب الأول: الجانب السياسي والاقتصادي
الجانب الثاني: الانساني والاجتماعي
الجانب الثالث: الفكري والتنظيمي
ففي الجانب السياسي والاقتصادي
علي أرضية المصالحة لن يسمح الانقلاب للإخوان باستعادة مكانتهم السياسية بأي وجه فلا رئيس سيعود ولا حكومة أو مجلس شعب وشوري ولا دستور بالطبع فهذه المراكز القانونية حل محلها من الناحية الواقعية مراكز جديدة بغض النظر عن طريقة تكوينها، ولو قبل الإخوان بالسقف السياسي للمصالحة فعليهم قبول كل ما يندرج تحت هذا السقف من مراكز وأوصاف قانونية أنشأها الانقلاب .
أما الحزب فمن الممكن عودته بهامش ضيق جداً من العمل السياسي وبالقدر اللازم لستر جوانب المصالحة وثمن من الممكن ترويجه كنجاح من نجاحاتها وربما يجاور ذلك قانون عزل يستبعد من العمل قوة الحزب الضاربة كالبلتاجي والعريان والكتاتني وأمثالهم ليعود عودة شكليه كأحزاب التجمع والأحرار وغيرهما قبل الثورة.
أما الجانب الاقتصادي فلا يمكن تسليم الإخوان أموالهم أو مقرات شركاتهم وهذا بشكل واضح يتنافى مع الواقع الاقتصادي المزري لمصر ولا حاجة لي في إيضاح أكثر من ذلك.
أما الجانب الاجتماعي والإنساني أو ما يسمي بالصلح المجتمعي أو العدالة الانتقالية فمن المؤكد أن ذلك سيُلقَى علي عاتق الإخوان أنفسهم ووحدهم بلا أي إعانة من النظام الانقلابي يعني (انت وشطارتك مع الناس) دون أي دعم من سن قوانين أو اتخاذ تدابير تضع حداً لحملات الكراهية التي صنعها الانقلاب ورتب أوضاع البلد ومؤسساتها عليها بل إنه يستمد وجوده منها، هذا من جانب.
من جانب آخر لن يكون مطروحاً بأي حال على مائدة البحث قضية القصاص من المسئولين عن المجازر، ولا طريقة إعادة الاعتبار للمعتقلين أو تعويضهم أو إعادتهم لوظائفهم ناهيك عن خروجهم من المعتقلات أصلا إذ أن المتحكم في هذه القضية تحديداً سيكون الجهاز المخابراتي والأمني الذي يحرص علي حرمانك من رجالك وقادتك خاصة أولئك الذين مازالوا مشحونين بمعاني الثورة واستعادة الحقوق.
أما من سيخرج سيدمج مجتمعياً ضمن منظومات الإفراج الشرطي مثل الجنائيين الذين يجبرون علي التوقيع يومياً بدفاتر أقسام الشرطة أو يخرجون بعد إجراء مراجعات مهينة شرعياً وثقافياً ليخرج بعدها من يخرج ليجد نفسه محبوساً في سجن أوسع في الوقت الذي لا يترتب علي عاتق الانقلاب أي تعهد بعدم إعادة اعتقاله أو إيجاد وسيلة قانونية للحد من المضايقات التي يتعرض لها، وإنما سيكون الكل تحت سقف المراجعة الدائمة والمضايقات بل والتنسيقات الأمنية.
أخيرا .. الجانب الفكري التنظيمي
هذا الجانب هو الأخطر علي الجماعة والذي سيقتصر دور الانقلاب فيه على تحديد الإطار العام المقبول لديه للجانب الفكري والتنظيمي بعد إتمام المصالحة والذي سيقوم بإعداده المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر والإفتاء والأوقاف وربما سيكون مشروطاً بموافقة كنسية علي بنوده !!
وبعد وضع هذا الإطار العام سيتم بالضرورة إفراغه في رؤية فكرية وخطة تنفيذية تعدها أجهزة الانقلاب تظهر في صورة جانب تنظيمي ضيق يخدم مطالب المؤسسة المخابراتية والأمنية في هذا الشأن والتي ستملي فيه علي الجماعة أنماط الشخصيات والاتجاهات المقبولة وربما تحدد الأسماء أيضاً، وسيُترك بعدها ملء هذا الإطار للإخوان أنفسهم عن طريق التدافع في حربٍ ضروس بين معسكرين، المعسكر الذي مازال رافضاً للمصالحة مطارداً مسجوناً جريحاً والمعسكر الذي يسعي بكل ما يملك من قوة لإثبات حسن النية وتثبيت أركان المصالحة التي أجراها وترويج مكتسباتها بين أتباعه، ثم الدفاع عن نفسه من الحملات المزدوجة التي يقوم بها الانقلاب من جهة ليضعه تحت ضغوط دائمه ومن جهة أخري الضغوط الناتجة عن تحرك الطرف الإخواني الرافض للمصالحة .
وهذا ما سيجعل معسكر المصالحة منذ اللحظة الأولي مطالباً بانتهاج مسار التنسيق الأمني (المشابه إلي حد كبير وضعية حركة فتح مع الاحتلال الصهيوني) والذي يستطيع به حمايه أتباعه وإفرازهم وبالتالي لن يفوِت الانقلاب هذه الفرصة للإجهاز علي الجماعة بأيدي أبنائها.
هذا باختصار حال الإخوان في حال قبلوا بالمصالحة تحت حكم هذا الانقلاب، وهذا ما لا أستطيع معه تمرير الحالة الوردية والأُمنيات الساذجة التي يتعاطي بها البعض مع الموضوع بحسبانه طوق النجاة للمعتقلين وأسرهم ورفع المظالم والعودة للمساجد والفضاء الإجتماعي..إلخ..
أخيراً
لو أراد الإخوان بالفعل استعادة المبادرة في مواجهة الانقلاب فعليهم نسج رؤيتهم وفق هذه المعادلات التي سقناها والأخذ في الحسبان سرعة القرار ورصانة الطرح وضبطه وجمع الناس عليه وفق ضوابط شرعية ومنطقية واضحة، وإلا فالدخول في – تيهٍ – يستغرق جيلاً أو جيلين حتي يتمكن الإخوان بعده بعودة مريرة لعهدهم أيام… مبارك!
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

