وهل من تحبيري بالذي يُقدم.. بل إنني والله اكتفيت!! بهذه القناعة، أغلقت دفاتري؛ لإعلان انتهاء مهمة عمل صحفي سعينا فيه بقدرٍ من إخلاص لرب القلم.
بشعور فقد حمية التفاعل مع التصريحات الإعلامية، استمع لما تبثه القنوات، أي قنوات، بلا تمايز، وبلا اجتهاد ايضاً لمتابعة إخبارية جادة عما يدور تفصيلاً؛ شيطان عقلي يبارز :” وهل بفائدة لنقل إخباري بخطه القلم!!” وماذا عن قيمته سوى من مُستَمع تهلكه قله الحيلة عن التدخل لإيقاف عبث الآخرين، علينا أن نستريح قليلاً من قعقعة أقلام لا تجلب فعل.
أي عبث الذي نعيش !! ؛ وكيف لفقرات الظهر الصمود لتحمل صرخات المستضعفين بالأرض، هؤلاء المحيطين بنا حد( المس) بطرقات المحروسة اسماً لا وصفا، فهذا فقير معدم غلبه الحياء عن التسول، وتلك البيوت الخاوية المتصدعة أركانها من غلاء فاحش، بل أنه يكفي تحسراً رؤية هؤلاء الذين تخلوا عن الحياة بإيقاف التداوي, تماشياً مع فقه أولويات المرحلة التي لا تتناسب رفاهية “أدوية”.
بالأمس القريب أحد المعدومين صادفني أمام محطة المترو، شاب البؤس يتجسد في حاله، شبة عاري، جسده يستره وسخ فاضح، اغمضت عيني كل البُعد عنه، فلا أريد تأمل تلك الهيئة, أو أن تلتقط ذاكرتي صورة تعمق استيائي له، كعادتها عاندت العين ما أردت بحرفية صحفي يثيره الفضول، فوجدته يخُرج من قميصه المهلهل، مجموعة لقيمات “عفنة” ليضعها بفمه لإسكات ما التهمه من جوع, صدرت مني شهقة عالية، قد سمعها المارة من حولي.
تجمدت من ذهول ما رأيت، قد تزهد العيش والعيشة لأيام، أو تنظر إليه بعين اعتدت رؤية مشاهد كهذه بالشوارع وعربات المترو، ويكأنه شيئاً لم يكن، فيسير وتسير باعتبار كلانا بأرض غير التي نحن عليها.
تذكرت بوقتها قول دكتور أزهري يحاضرنا بمادة علوم القرآن، وهو يشدد علي أمانة المنصب الإداري والتدقيق قبل اختيار ما يصلح لإمارة أو وظيفة، مستنداً لذلك بقول ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(من استعمل رجلا من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين).
لمعت بعيني الغاية من سعي سيدنا يوسف وقت رشح نفسه لرئاسة القوم بقول: ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم).
رفيع الحبل الذي يفصل بين الطمع والسيادة من أجل إرضاء الله بإقامة العدل ارضاً، يعلم إيماننا بأن الله لطيف لما يشاء، ومن علامات لطفه إمهال قوم صرفت أبصارهم عن آياته الكونية وأحكامه التشريعية، وبالتابعية جني الشعوب ثمارها فعلها, ليصيح الظلم شعار المرحلة وسيدها, والمفاسد تراكمت لتبتلع بركة الإيمان، وعلت قيم النفاق ليحل علماً معتمداً بفروع التجويد الشيطاني الذي يُدرس إجبارياً بمؤسسات الدولة كشهادة خبرة قبل التعيين.
نأسف ونبكي حال عصرنا لمن خلفنا ومن سيقدمنا, ببلادي تبدلت القراءات، لتصير الخيانة هي أن تقف بجوار مسلم لك ينكل به وتنصره برفع حصار.
إنه البقاء لله في ما آل إليه الحال.
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

