لم يكُن جوزيف على علمٍ بأن شعور مادلين يتعدى كونه كُرهًا لأسلوب اللعب أو نزيف النقاط الذي ينتاب الفريق أو حتى اسمًا للاعب كرّمه التاريخ فلفظته هي، لم يكُن الأمر مجرد ولادتها لتجد من حولها في أحد الصفوف لتختار هي الصف الآخر!
لتجد حُلفاءً أو أعداء لا مكان لخيطٍ رفيع بينهما، لم يتوقع أن لقلبٍ مخلص لريال مدريد كل هذا التحامل والعتاب منذ قديم الأزل حتى ظن أن عليه نسيان الأمر برمته، فلو كان من الألفية الجديدة لزال وحده ولكنه مغروس بأرقام عمالقة لا بديلٌ لك عن حبهم.
فلاش باك [جوزيف يقرأ على مادلين تفاصيل الكلاسيكو الأخير من صحيفة الماركا، حتى بدا على وجهها امتعاضٌ شديد جعله يتساءل]
جوزيف: أعلم أنه سؤالٌ ساذج ولكني عهدتك تحبين اللعبة التي تقبض روحك من حلاوتها، فلماذا تكرهين قميص البلوغرانا إلى هذا الحد؟
مادلين: حسنًا، أنت تصغرني بثلاثة وثلاثين عامًا، ولو حاولت استعادة حبك لبرشلونة يمكنك أن تتوجه للتلفاز بضعة ساعات أو حتى تُنهي تصفحك اليومي على الإنترنت دون إزعاج لأحد ممن يجلسون حولك، أما أنا فكنت أقرأ أخبار الهزيمة أو النصر من هنا وأتذكر كل لحظة توقفت فيها أنفاسي أمام ذلك الفريق، أول فريق يوقف العصر الذهبي الأوربي لريال مدريد كان هؤلاء الذين تعشقهم، أول من اقتطع الهيمنة الملكية على البطولة القارية في السنوات الخمس الأولى، أكرههم بالطبع يا جوزيف فالأمر ليس بمُستحدث.
جوزيف: توقفي للحظات! جلّ ما أعلمه حتى الآن أنه كان لريال مدريد التتويج بكأس أوربا للأندية في النسخ الخمس الأولى من بداية انطلاقه، وأنه في المرة الخامسة تلك جمعتنا بكم مباراة قبل النهائي في كلاسيكو قاسي اختطف فيه الميرينغي ثلاثة أهداف لواحد في ذهاب البرنابيو وثلاثة لواحد مثلهما في العودة، لنودع حينها البطولة خائبين الأمل في الحلول كأبطال بينما قطارُ الأعداء ماض لا يتوقف.
استوقفته مادلين بابتسامة ساخرة: وعندما سنحت لهم فرصة الانتقام انتقموا، ففي النسخة السادسة من البطولة ومع توقعات الجميع باستكمال فريق العاصمة مدريد مشواره الأبدي في رفع الكأس، شاءت الأقدار أن يُمنح البارسا طريقًا للعودة وبالفعل تحدد اللقاء الفاصل بين الطرفين في دور الـ16 عام 1960 كان الذهاب في السانتياغو برنابيو والإياب في الكامب نو وكنت أعلم أننا على موعد مع السعادة المؤقتة، على موعدٍ مع الانتشاء الذي لن تُمحى آثاره بسهولة.
التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني 1960 وتحديدًا في الساعة الثامنة ونصف الساعة، انطلقت صافرة سُمع صداها في القارة بأكملها معلنةً عن خيار ممتاز لبرشلونة في إيقاف الخصم الذي عجز الجميع عن إيقافه، أكثر ما أذكره هو وجه ميغيل مينيوث الذي يعج بالمشاعر، قدما فيثينتي تران وهما تتأرجحان في المرمى باحثتان عن الثقة في كل شبرٍ أمامي وخلفي ، قمصان بوشكاش ودي ستيفانو وهي تملأ المدرجات من دون نظرة يأسٍ واحدة.
وبالفعل دقيقة تلو الأخرى حتى بدأت الأمور تؤول إلينا، ماتيوس ظل يحاول الوصول حتى نجح في خضم ثلاث دقائق فقط واقتحم دفاعات الفريق في مشهد تُوج بالهدف الأول للمُضيف وتهللت أساريرنا في رغبة بالمزيد، ولكن الرياح لم تأت كما تشتهي السفن وكان لسواريز رأيًا آخر وبعد حوالي أربعة وعشرين دقيقة تفاجئ الجميع بتعادل أجبرنا على التزام الصمت فنحن نعلم كم تبلغ أهمية هدفٍ مبكر على أرضك يجعل الخصم يقفز من فرط الثقة.
حتى تنفسنا الصعداء بانتفاضة القائد، تنفسنا الصعداء بصاحب الشارة خينتو الذي أرسل كرته في شباك أنطونيو ولم يأبه بأي شيء غير الحفاظ على كرامة الحاضرين، خينتو يسجل في الدقيقة 33 ويستعيد الميدان وها هو ليوبيسا بروشتش يقاطعنا بنظراته من دكة البدلاء وكأنه يتوعد في شوط المباراة الثاني، وبالفعل ظللنا نعاني الأمرين في بقية النزال نرغب فقط في الخروج بتلك النتيجة ولعل الأمر يبدو هينًا في أرجاء الكامب نو، حتى قطع فيثينتي حبل أفكاري وتسبب في ركلة جزاء أحرزها سواريز في الدقيقة 87 لنفقد الأمل ونشد الرحال إلى ملعبكم بتعادل مخيب بهدفين لمثلهما!
ويا ويل ملعبكم لم يكن كما توقعت، الثالث والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الساعة التاسعة مساءً وصافرة الانجليزي ريغلاند ليفي في المباراة الأشهر في ستينيات القرن الماضي، مباراة الإلغاء وتحطيم الآمال فقط لا غيرهم، حيث تمكن ليفي من القضاء على فرصتنا الأخيرة في التأهل برفضه احتساب ثلاثة أهداف لخينتو، بوشكاش وخوسيه ماريا، كاد قلبي أن يتوقف عن نبضه حينها، كان ينخلع من مكانه ولكن المثير للدهشة أنه لم يحتسب هدفًا آخر لبرشلونة أيضًا حتى تأكدت حينها أن تلك مباراة لن تنسى سواء مررنا أو لم نمر.
90 دقيقة من المحاولات البائسة لم تترجم حتى اقتطع بيرجيس الكرة وسط اعتراضات من لاعبي الريال في انتظار راية التسلل ولكن القدر خانهم وانطلق بيرجيس من دون تفكير ليرسل الهدف الأول في الشباك بعد ثلاثة وثلاثين دقيقة فقط من انطلاق الملحمة وينتفض الكامب نو واثقًا في النهاية، النهاية التي وضعت برأس إيفاريستو الذي لقبته باللص لأنه سرق كرة كالضفدع عندما يسرق طعامه البرازيلي الأول الذي وصل لمئة هدف مع فريقكم المُبجل فيما بعد، ليسجل الهدف الذي تلاه فقط قدم كاناريو في الدقيقة 87 وتوقف لوحة الملعب على اثنين-واحد لفريق كتالوني عنيد.
ها وقد انهالت علي الصحف في صباح اليوم التالي كلٌ بعناوينٍ مختلفة تصب في كُره لن أمحوه يومًا، لأنني حتى ولو أردت فلن أستطيع، وإن استطعت فلن يصدقني الزمن يا جوزيف، الأمر أكثر من مجرد كلاسيكو من عامٍ لآخر، فمنذ تجلي اسم الفريقين في عالمها وأنا أعرف أن لكلٍ منهم مسارًا لن يلتقوا أبدًا، أبدًا.
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

