الغوغائية .. بعض شخصيات النخبة من صحفيين وسياسيين أطلقوا هذا الوصف على فعل السيدة التي قاطعت الدكتور محمد البرادعي أثناء كلمة له في إحدى الندوات بلندن واعتبروا ذلك غير لائق.
الغوغائية .. بعض شخصيات النخبة من صحفيين وسياسيين أطلقوا هذا الوصف على فعل السيدة التي قاطعت الدكتور محمد البرادعي أثناء كلمة له في إحدى الندوات بلندن واعتبروا ذلك غير لائق وغير منتج بل وصفوه في بعض الأحيان بكونه ساذجا بل ومجَرَّما.
(الغوغائية) تلك كانت حاضرة في مشاهد أخرى وبرغم أن تلك المشاهد كانت أكثر حدة وجرأة من موقف سيدة البرادعي إلا أنها كانت محل ترحاب وتقدير وربما إعجاب وثناء، ويا للعجب أن حالة الترحاب تلك كانت في أوساط النخبة أيضا كما هي في أوساط العامة.
ورغم أن المواقف التي تتشابه مع هذا الحادث كثيرة جدا إلا أننا نسوق منها موقفين لهما زاويتين مختلفتين للتعبير عن الرأي من وجهة نظر أصحابهما.
الأول ما قام به منتظر الزيدي من رمي الحذاء صوب الرئيس الأمريكي آنئذ جورج بوش الابن أثناء مؤتمره الصحفي مع نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي في عام 2008.
والثاني ما قام به متظاهرون ضد ساركوزي أثناء جولة انتخابية عام 2012 من إلقائه بالبيض مما ألجأه للاختباء بأحد المحال بالمنطقة.
وفي تتبعنا للحدث الأول سنجد أن من قام به يعمل صحفيا وقد قام به في مؤتمر صحفي رسمي مما يجعله فعلا (غوغائيا) بامتياز!! فلم يستخدم الرجل الآليات (المتحضرة) في تفنيد كلام بوش أو التضييق عليه بالأسئلة المحرجة أو إبداء الاعتراض الذي ينم عن عدم الاكتفاء بالأجوبة الدبلوماسية أو التهرب منها، لكن الرجل اختار وسيلة أخري تماما خارج إطار العمل الصحفي فقد قذف بوش بالحذاء !
ولعل الأصداء المرحبة بفعله هذا لها دلالتها، مظاهرات في العراق تؤيد فعله وتطالب بالإفراج عنه علي أرضية حرية التعبير التي تدعيها الولايات المتحدة، مقالات صحفية تصور الزيدي في صورة البطل القومي، هيئة ضمت عشرات المحامين من أجل الدفاع عنه، عرض اللجوء السياسي من سويسرا بعد الإفراج عنه، لكنك لن تجد أحدا هاجم الرجل رغم أن فعله (غوغائيا) وفق ضوابط الوصف الذي أطلقه البعض علي فعل السيدة التي قاطعت البرادعي.
إلا أن الفارق هنا أن استثمار فعل الزيدي أخذ في التفاعل في (مساحته الطبيعية) فهذا جورج بوش الذي دمر العراق وذاك صحفي عراقي يعترض.
الموقف الثاني إلقاء البيض علي ساركوزي من بعض معارضيه لم تصفه الصحافة بالغوغائية بقدر ما وضعته في سياقه الطبيعي من كونه وسيلة اعتراض استخدمها الجمهور في سياق سياسي بل إن ساركوزي نفسه والذي خسر الانتخابات فيما بعد قد وضعه في نفس السياق من أن هؤلاء مؤيدي أولاند منافسه ويهاجمونه على أرضية تلك المنافسة لكنه من وجهة نظر ثانية لم يسبهم أو يهاجمهم.
من جهة أخرى لام البعض سيدة البرادعي علي استخدامها ألفاظا عربية (قاتل قاتل) في وسط غير عربي رغم أن البرادعي يتحدث العربية برغم أن السيدة استكملت مرافعتها باللغة الانجليزية وتناسوا هنا أن الزيدي كان محل ترحاب عندما وجه لفظا عربيا (كلب) إلى جورج بوش وهو الذي لا يتحدث العربية في الأصل.
موقفا بوش وساركوزي يتشابهان إلى حد بعيد مع وضعية البرادعي فهو الشخصية الرسمية نائب رئيس الجمهورية والذي مثل غطاءا سياسيا للانقلاب في لحظاته الأولي وهو أيضا مازال سياسيا مصريا منافسا في الساحة المصرية وشخصية تمارس دورا ما في الساحة الدولية فماذا لو أن أحدهم ألقاه ببيضة اعتراضا على مقابلته الحميمة لإيهود باراك مثلا أو ألقاه بحذاء ردا على دوره في انقلاب مازالت تتفاعل فصوله الدموية في مصر.
موقفا حذاء بوش وبيضة ساركوزي تمت قراءتهما في مساحتهما الطبيعية وفُهِما على أرضية ممارسة الاعتراض، أما موقف السيدة فكان محل استهجان مبدئي انحيازي غريب لشخص البرادعي من جهة وتمييزي ضد الفعل نفسه بعد انتزاعه من سياقه الاعتراضي ومساحته الطبيعية التي تتكرر في حياة السياسيين بشكل كبير دون وصف للجماهير التي مارست ذلك بالغوغائية بل إن أفعالهم في بعض الأحيان تلاقي قبولا عاما وترحابا وثناء من الجميع بما فيهم النخبة.
وهذا ما يجعلني أتعجب من الازدواجية في قراءة المشهد فهل هي البيئة السياسية المصرية التي أفسدتها التجاذبات والتي جعلتنا ننقسم حول كل فعل ونشخصن المواقف تبعا لتموضع فاعلها أو انتمائه لتيار ما في حين نقرأها في سياقها ومساحتها الطبيعية خارج الشأن المصري
فعل الزيدي (الغوغائي) لم يمنعنا حينها من الثناء عليه وترويج بطولته ومشاركة الفيديو الذي لاقي ملايين المشاهدات بل إن الفعل المعبر عن ذروة حالة الاستثمار تلك هو اللعبة الإليكترونية التي جعلتنا جميعا نلقي الحذاء علي وجه بوش عبر شاشاتنا الخاصة في أجهزة الكمبيوتر والموبايل وهذا إما إقرار منا باعتباره (فعلا احتجاجيا طبيعيا مقبولا) أو أننا بالفعل قد شاركنا في تلك السذاجة الغوغائية !
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

