وثيقة حماس الثانية: ليته سكت!

وأخطر تلك البنود التي جاء تعديلها في الوثيقة، هو البند العشرون، الذي من الممكن أن يفتح الباب أمام تنازلات كبيرة في القضية.

عندما قدمت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وثيقة المبادئ والأساسيات يوم الاثنين الماضي، وهي الوثيقة التي تم الإعلان عن تعديلها وتجديدها قبل أربعة سنين مضت، تحديدا في عام2013، وقت أن صرحت حماس بنيتها في تجديد الوثيقة، وأنها ستقدم رؤيتها السياسية متضمنة المرونة والتطور، في ظل التغيرات المحلية والعربية والدولية في المنطقة.

عندما قدمت وثيقة المبادئ والأساسيات فإنها أثارت استفهاما كبيرا في بعض بنودها، لما تنطوي عليه القضية الفلسطينية من قداسة في نفوس المسلمين، ولما تنطوي عليه الأرض التي بارك الله حولها من قداسة في وجدان المسلمين.

وأخطر تلك البنود التي جاء تعديلها في الوثيقة، هو البند العشرون، الذي من الممكن أن يفتح الباب أمام تنازلات كبيرة في القضية، لأنه ينص صراحة اعتبار إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس علي خطوط الرابع من يونيو/حزيران 1967 مع عودة اللاجئين والنازحين إلي منازلهم التي أخرجوا منها.

هي صيغة توافقية وطنية مشتركة بما لا يعني إطلاقا الاعتراف بالكيان الصهيوني، وهو نص _فيما أري _متشابه الألفاظ ومفتوح علي عدد من التأويلات والمعاني، لأنه لا شي يضمن أن لا تقوم الحركة بتقديم التنازلات مثلما قدمتها حركة “فتح”، والتي باتت إلي الوقت الراهن عينا رقيبة لإسرائيل علي الفلسطينيين كما هو مشاهد !!

لا شئ يضمن ذلك بعد تثبيت هذا النص، لأن الحركة ستكون ملزمة بالقوانين التي لا ولن تكون في مصلحة القضية الفلسطينية بطبيعة الحال، وفي الوقت الذي يفتح فيه هذا النص المتجدد أو المتطور هذا الباب، فإن الوثيقة الأولى كانت أوضح وأحكم، وكأنها تقول بعبارة صريحة أن الجواب ما ترونه لا ما تسمعوه، فقد نصت في المادة الثالثة عشر  أنه تتعارض المبادرات وما يسمي بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية، مع عقيدة حركة المقاومة الإسلامية، فالتفريط في أي جزء من فلسطين تفريط في جزء من الدين.

وما تلك المؤتمرات إلا نوع من أنواع تحكيم أهل الكفر في أرض المسلمين ومتي أنصف أهل الكفر أهل الإيمان: “ولَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليهودُ وَلاَ النَّصَارَى حتَّى تَتَّبعَ مِلَّتَهُم قُل إنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِن اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الذي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ من اللهِ من وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ” (البقرة: 120 ) 

من ناحية ثانية، فقد قدمت وثيقة حماس للمبادئ والأساسيات تعريفا للحركة خلا من الإشارة إلي ارتباطها بالحركة الأم، وهي حركة الإخوان المسلمين، واكتفي السيد خالد مشعل بتأكيد الارتباط شفاهة دون إثبات ذلك في الوثيقة، كما هو مثبت وصريح في الوثيقة الأولي، التي ذكرت بعبارة واضحة في المادة الثانية من الباب الأول أن الحركة هي جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين.

وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي، وهي كبري الحركات الإسلامية في العصر الحديث، وتمتاز بالفهم العميق والتصور الدقيق والشمولية التامة لكل المفاهيم الإسلامية في شتي مجالات الحياة، في التصور والاعتقاد في السياسة والاقتصاد، في التربية والاجتماع، في القضاء والحكم في الدعوة والتعليم، في الفن والإعلام في الغيب والشهادة، وفي باقي مجالات الحياة.

ولو أن السيد خالد مشعل أثبت ارتباط الحركة بالإخوان المسلمين نصا في الوثيقة أو لم يثبت ذلك، فإنه على الأرجح لن يغير ذلك من رؤية نظام الجنرال السيسي تجاه الحركة شيئا، ولن ينزع عنها صفة الإرهاب والتطرف.

وحيث إني قد فرغت من ذكر مقالتي في البند العشرين، وأتبعت ذلك بكراهيتي لمسح اسم الإخوان المسلمين في وثيقة المبادئ والأساسيات، وعنونت كل ذلك بـ”ليته سكت”، فاني لأرجو مخلصا أن ينصر الله فلسطين ويحرر المسجد الأقصى، وأن يجنب حماس والفصائل الجهادية شر الانقسام والتشظي والاختلاف، وهو خير مسؤول.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان