صورة ولافتة وجملة واحدة نسفت ما حاول تحقيقه من تفرّدوا بمصاديح المذاييع وأقلام الصّحف ومنابر القنوات التّلفزة، من تدمير لهويّة شعب وتحقير لقضاياه ومحق لمعارك أمّته.
تسع ثوانٍ أو أقلّ كانت كافية يوم أمس لتنسف سنوات من براميل إعلاميّة متفجّرة استهدفت الشّعب التّونسي كانت تهوي على منازلهم من شاشات تلفزاتهم الصّغيرة وقد أطلقتها أفواه إعلاميّين احتكروا منابر الإعلام. بثّوا سموما تسلّلت بين أضلع المواطنين فخنقتهم، حتّى إنّها في كثير من الأحيان كانت أشدّ وطأ، وخانقة إلى حدّ فاق مدى قدرة سلاح بشّار الأسد الكيمياوي الّذي حرم أطفال “خان شيخون” القدرة على التّنفس فخنقهم وأحرقهم حتّى الموت.
سنوات تجنّدوا فيها صارخين مهدّدين ومحقّرين مّمن صنعوا بوعيهم ثورة كانت ولا تزال مثالا للتحضّر والسّلميّة رغم ما تواجهه من حصار.
نطقوا لغوا وفسقا عبر مصاديح عُلّقت بالقرب من أفواههم فكانت جلّ حكاياتهم مدعاة للتندّر والسّخريّة، أشهرها ربّما تلك الّتي تحدّثت عن أنفاق غزّاويّة حُفرت في أحشاء جبل الشّعانبي خصّيصا ليدخُل عبرها “إرهابيّو” حماس، بحسب الرّاوي، أرض تونس.
وأسخفها تلك الّتي راجت مع بداية الحصار الإماراتيّ السّعوديّ لقطر والّتي نقلتها صحف، لا يخطّ فوق أوراقها أمين وقنوات لا يدخل مقرّاتها حكيم، عن متحدّث قيل أنّه عسكريّ باسم جيش حفتر، تقول بأنّ قطر قد أودعت، في إطار محاربتها للإرهاب، مليارات كثيرة وكثيرة جدّا بأحد بنوك ولاية تطاوين تمهيدا لإرسالهم إلى ليبيا.
وإذا ما أردنا هنا الحديث عن طرائف من يُحسبون زورا وبهتانا على مهنة المتاعب، بدءا بمن روّج أسطورة آلاف الدّينارات من السّمك كان يستهلكها الرّئيس السّابق للجمهوريّة التّونسيّة، المنصف المرزوقي ومرورا بذلك الاجتماع الوهميّ للتّنظيم العالميّ للإخوان المسلمين الّذي ادّعى أحد السّفهاء بأنّ نزلا تونسيا سيحتضنه، فما كان من القناة الوطنيّة الأولى إلاّ أن ترسل طاقما كاملا لتقبض على الحاضرين “متلبّسين“، الشّيء الّذي لم تفعله في مواعيد كان فيها مموّلوها من الشّعب التّونسيّ في أشدّ الحاجة إليها، وليتّضح في النّهاية بأنّ النّزل خالٍ من الزّائرين.
ووصولا إلى من صاح فينا ان “السّيسي” قاتل شباب مصر “رجل عظيم”، ومن كتب بالبند العريض، “الجيش السّوري ينجح في القضاء على الإرهابيّين، تعليقا على مجزرة من صُنْعِ بشّار، راح ضحيّتها رضّع ونسوة. ومن ادّعى بأنّ قناة الجزيرة القطريّة “تكره” تونس، ليعقّب زميله محمّلا إياها مسؤوليّة تدهور الأوضاع في “الكامور”، لتنحت زميلة لهما بقلم يقطر دينارات ملوّثة مقالا خُيّل إليها بأنّه “يفضح” الأيادي المتشدّدة الّتي تقف وراء المتظاهرين في الجنوب التّونسيّ.
إذا أردنا هنا الحديث عن طرائف من يُحسبون زورا وبهتانا على مهنة المتاعب فسنتحدّث الدّهر كلّه، كما تحدّثوا هم لستّ سنوات منذ هروب الرّئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وقبلها عشرون سنة!
نعم، هو ربع قرن وأكثر من حرب إعلاميّة شرسة جنودها إعلاميّون ومحلّلون سياسيّون واقتصاديّون، محامون وأساتذة جامعيّون، كانت صورة واحدة كافية لتكشف فشلهم الذّريع رغم ما أُغدق عليهم من أموال، حتّى أنّ أحدهم شبّههم ذات يوم بالرّاقصات اللاّتي تتساقط على رؤوسهنّ العملات النّقدية الخليجيّة زمن الأبيض والأسود في مصر.
فبتاريخ السّبت 17 جوان (يونيو/حزيران) 2017، وخلال مباراة دارت بملعب رادس جمعت بين النّادي الإفريقي وفريق اتّحاد بنقردان في إطار نهائيّ كأس تونس، رفعت جماهير النّادي الأوّل لافتة وقد كُتِبَ عليها “كرهناكم يا حكّام، تحاصرون قطر وإسرائيل في سلام.“
لثوانٍ معدودة مرّت الصّورة على شاشات التّلفاز لتصرخ في وجه من احتلّوا مكاتب “الجريدة” في “الصّباح” و”المساء” و”المغرب“ ومع بزوغ “أنوار” النّهار وعند “شروق” الشّمس وكلّما ملأ الموظّفون أنهج “الشّارع المغاربي”، أن خسرتم وخسر عملكم فأنتم لا تفلحون!
صورة ولافتة وجملة واحدة نسفت ما حاول تحقيقه من تفرّدوا بمصاديح المذاييع وأقلام الصّحف ومنابر القنوات التّلفزة، من تدمير لهويّة شعب وتحقير لقضاياه ومحق لمعارك أمّته، فأعلنها من خلالها من يعمّرون أرض تونس مدوّية أن لن تقدر كلماتكم ولا افتراءاتكم عن عزلنا عمّا يدور حولنا، فأنتم ضالّون!
هي صورة زيّنت ملعب رادس، أكّدت لمن وصف حماس بالإرهابيًة ولمن عمل على تشويه الجزيرة القطريّة أنّهم موهومون. و يا ليتهم يفهمون. ولن يفهموا!
مثلهم كمثل محتكري الوسط الفنّي في تونس، أولئك الّذين عرضوا على شاشات السّينما أفلاما لهم ناطقة باللّهجة التّونسيّة وقضاياها “فرنسيّة” حتّى هجر المواطنون “الكوليزي” وتركوهم في وحدتهم يتخبّطون، فتراهم إذا ما نظروا من حولهم، فوجدوا الكراسيّ فارغة، قالوا إن هذا شعب جاهل ونحن المثقّفون، ألا إنّهم هم الجاهلون ولكن لا يعلمون.
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

