في منتصف شهر أكتوبر /تشرين الأول من العام 2013، وتحديدا في يوم وقف عرفة، انتشرت أخبار عن التعرف على جثث خمسة ممن قتلتهم الشرطة والجيش في اعتصام رابعة، لم يكن في تصوري حينها أن بشرا قتلوا في منتصف أغسطس/آب يعثر على جثثهم في منتصف أكتوبر/تشرين الأول، عملي الصحفي استلزم إجراء مكالمة هاتفية مع أحد أهالي هؤلاء الضحايا، كانت والدة “محمد خضر” طالب الهندسة من محافظة بورسعيد.
أم محمد خضر قالت إن الجثث الخمسة “المتفحمة” ليس من بينهم ابنها، وأنها ووالده سيواصلان البحث عن نجلهم بين القتلى والسجناء لعله لم يمت، والدة “محمد” طلبت مني بدافع الأم أن أبحث عن نجلها وغيره العشرات الذين رأيت ذويهم يجرون تحليل DNA على أمل أن يكون أبناؤهم ضمن الجثث المتفحمة، أو هؤلاء الذين رأيتهم على أبواب السجون وأقسام الشرطة كمحاولة بائسة أن يجدوا أبناءهم وأزواجهم داخلها.
وصية أم محمد خضر لي كانت ثقيلة، أحسست حينها أن عبئا بات عليّ، وأن وعدا قطعته لها وجب أن أمضي فيه إلى منتهاه، أخذت في البحث عن حالات مشابهة، خصصت “تحويشة العمر” كي أنتج فيلما يحكي عن هؤلاء المفقودين الذين باتوا “كالملح المذاب”، ولكن الأمر كان أكبر من تحويشة العمر، والمآسي في حكاوي أهالي المفقودين أعظم من أن يحتويها فيلم، أمر أشبه بما حدث في الأرجنتين، بل أشد، قررت تعديل المسار وأن أوسع البحث وأن أحول الأمر إلى تحقيق صحفي.
بالبحث في مفقودي رابعة وصل عددهم لـ200، كانت قصص المفقودين تختتم بنهايات أربع، إما أن يكون ذلك المفقود قد قتل وتشوهت جثته، واستطاع أهله الوصول إليها عبر تحليل البصمة الوراثية DNA، أو لا يجدونه بذات التحليل بسبب تشوه الجثة بشكل يصعب استخلاص البصمة الوراثية منها، ومن ثم تدفن في مقابر الصدقة تابعة للدولة، أو أن هؤلاء المفقودين قد قتلوا أثناء عملية فضّ الاعتصام، ثم دفنوا بمعرفة رجال الشرطة والجيش، وأخيرا أن يكون المفقود قد اعتقل ولا يزال رهن احتجاز في مقر أمني سري.
النهاية الأولى وجدت لها نموذجين، هما مصطفى المعداوي وحسن البنا، أما النهاية الثانية فكانت من نصيب 35 شخصا مجهولين دفنوا في مقابر صدقة محافظة القاهرة في منتصف يناير 2014، النهاية الثالثة لا يوجد ما يدعمها سوى حديث من أهالي المفقودين الذين سمعوا عن مقبرة في مركز التدريب التابع لوزارة الداخلية في طريق “القاهرة – السويس”، ولعل تحقيقا مستقلا يكشف مزيدا من التفاصيل، النهاية الرابعة كانت مرتكزا أساسيا للبحث.
أم محمد خضر باتت أقرب لتصديق أن ابنها قد قتل في رابعة برصاص الجيش والشرطة وأنه دفن بمعرفتهم، ولكن هناك أهالي لا يزالون موقنون بأن أبنائهم وأزواجهم على قيد الحياة في سجن ما على أرض مصر، من هؤلاء أهل الطالب عمر محمد، وزوجة المحاسب خالد عز الدين، فجميع الروايات تقول إنهما اعتقلا أحياء، عمر اعتقل صبيحة مجزرة فض رابعة، وخالد مساء مجزرة المنصة “نهاية يوليو 2013″، أسرة عمر قالت إنها قدمت بلاغات للنائب العام تتهم فيها جهات رسمية بإخفاء نجلها، ولكن إلى الآن لم يظهر عمر.
ومن هنا تبدأ قصتي مع حنان بدر الدين، وحنان هي طبيبة شابة زوجة خالد بدرالدين، زوجها أصيب بطلق ناري بالرأس في أحداث مجزرة المنصة، صورته إحدى الفضائيات وهو ينزف ولكنه كان حيا، هنا بدأت رحلة بحث حنان عن خالد، استقلت سيارة من بني سويف “محل سكنها” إلى القاهرة، بحثت في المستشفيات الحكومية والخاصة المحيطة باعتصام رابعة، ثم وسعت نطاق البحث ليشمل المستشفيات والمشارح بالقاهرة، قالوا لها في هيئة الإسعاف، إن قوة أمنية احتجزت زوجها، وأنه بمستشفى سجن طرة، توجهت لهناك، منعوها، ولكن مجندا قال لها، إن خالد أصيب بطلق ناري في الرأس وأجريت له جراحة عاجلة، وإن حالته مستقرة، وإنه سيمكث في المستشفى لفترة.
حدثت مجزرة الفض، حاولت الوصول إلى خالد بمستشفى السجن، لم تستطع، ثم قالوا لها إن حالته تحسنت ونقل لزنزانة “دون توجيه تهمة له”، لم يفصحوا لها عن مكان سجنه، بالبحث قال لها البعض إنه في سجن مزرعة طره، وقال آخرون إنه نقل لسجن طنطا العمومي، وقال آخرون إنه بسجن “القطا” ، بحثت عنه شهورا ولم تجده، في منتصف 2014، بدأ الحديث يكثر عن نقل من اعتقلوا في اعتصام رابعة إلى سجن العزولي العسكري “سيء السمعة”، كان دخولها للسجن مستحيلا، ولكنها حاولت، سألت من استطاعت من المجندين، وكثيرُ منهم رفضوا أن يقولوا لها شيئا، في السجن كان هناك قاعة محاكمة، وفي إحدى الجلسات دخلت مع مجموعة من أهالي السجناء، وسألت أحد السجناء عن خالد، قال لها إنه سمع اسمه في “التمام اليومي”، ولكنه لم يره.
في هذا التوقيت تحدثت صحيفة الغارديان البريطانية عن سجن العزولي، وعن عمليات التعذيب واختطاف السجناء السياسيين إليه.
حنان عبر أقارب لها واتصالات بضباط وقضاة قالوا لها إن زوجها خالد “غالبا في سجن العزولي”، وأنهم لن يستطيعوا أن يتدخلوا أكثر من ذلك، ظلت حنان تبحث وتخاطر بحياتها كي تطمئن على زوجها، في نهاية 2014 دخلت لقاعة المحكمة مرة أخرى مع أهالي عدد من الذين تنظر محكمة عسكرية قضيتهم وسألتهم عن خالد فقالوا إن المجموعة المجهولة التي كان يتم النداء عليها في التمام اليومي ومن بينهم خالد لم يعد يتم النداء عليهم.
حنان لم تيأس قامت بالبحث في جميع السجون مرة أخرى، قدمت بلاغات للنائب العام، دشنت مجموعات للبحث عن المفقودين، تواصلت مع المهتمين بالقضية، تكتب كل يوم عبر صفحتها على فيسبوك إلى خالد كأنه يرى ما تكتبه.
في 6 من مايو/أيار الماضي، ألقي القبض على حنان بدر الدين أثناء زيارتها لأحد المحتجزين الناجين من الاختفاء القسري بسجن القناطر في محاولة منها لتتبع أي معلومات أو أخبار تخص زوجها خالد محمد حافظ عز الدين.
سلام على حنان الصعيدية المخلصة. أفرجوا عن حنان وقولوا لها أين زوجها خالد؟
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

