ماذا بينك وبين ربك يا “خاشقجي”؟!

 

ها قد اقتربت الرواية من فصولها الأخيرة، ويتأهب المتابعون للحظة إسدال الستار، فباعتراف السعودية بسقوط خاشقجي قتيلا داخل قنصليتها في إسطنبول تنتهي المعضلة الكبرى في لغز اختفائه، والذي شغل الإعلام العالمي منذ الثلاثاء الثاني من أكتوبر /تشرين هذا العام.

لم يعد السؤال الذي حير العالم أجمع هو أين اختفى الكاتب السعودي المخضرم، والصحفي بجريدة الواشنطن بوست “جمال خاشقجي”؟ ولماذا لم يظهر منذ لحظة دخوله قنصلية بلاده في تركيا بغرض استخراج أوراق رسمية له تخص الزواج؟

لتحل محلها أسئلة جديدة، جديرة بالاهتمام: وهو أين جثمان “خاشقجي” أو ما تبقى منه؟

ولماذا قُتِل بالأساس داخل سفارة بلاده؟ ومن أمر بقتله؟

وهل يقتل المواطنون داخل السفارات؟

فاجأتنا وكالة الأنباء السعودية فجر السبت، نقلاً عن بيان رسمي سعودي صدر: بأنّ التحقيقات الأولية التي أجرتها النيابة العامة أظهرت قيام المشتبه به (من دون أن تفصح عن هوية هؤلاء) بالتوجّه إلى إسطنبول لمقابلة المواطن جمال خاشقجي.

وأضاف البيان :(لم تسر المناقشات بينهم بالشكل المطلوب وتطوّرت بشكل سلبي أدّى إلى حدوث شجار واشتباك بالأيدي بينهم وبين المواطن جمال خاشقجي، وتفاقم الأمر ممّا أدى إلى الوفاة).

وذكر البيان أنّ هؤلاء حاولوا “التكتّم على ما حدث والتغطية على ذلك”، مشيراً الى أنّ “التحقيقات في هذه القضية مستمرة مع الموقوفين على ذمّتها والبالغ عددهم 18 شخصاً من الجنسية السعودية”.

الاعتراف

تعترف إذن المملكة ضمنيا بتواجد الفريق المكون من خمسة عشر سعوديا من ذوي المناصب في الجيش وسلاح الجو والمخابرات العامة ومعهم مدير الطب الشرعي المتخصص في التشريح الجنائي العقيد “صلاح الطبيقي”، وعلى رأسهم الضابط برتبة عقيد في المخابرات العامة “ماهر مطرب” أحد المقربين من ولي العهد السعودي، (والذين قدمت تحقيقات الشرطة التركية بياناتهم كاملة وصوراً لهم بموقع الحادث) واتهمتهم السعودية في بيان رسمي بقتل خاشقجي أثناء الشجار!

ومن حقنا هنا أن نسأل: من الذي أرسل هذا الفريق في طائرتين خاصتين صباح يوم وصول خاشقجي للقنصلية بناء على موعد أعطاه القنصل اياه؟ ولماذا تشاجروا معه وأزهقوا روحه بعد سبع دقائق فقط، ثم تخلصوا من جثته خلال خمس عشرة دقيقة لاحقا (وتحقيقات تركية تتحدث عن تقطيع الجثمان بمنشار عظام، في سيناريو مرعب يكاد يذهب بالعقول)؟

من المتعارف عليه، أن يكون الشجار بين اثنين، أو ربما بين رجل وبضعة رجال، لكن اعتداء من خمسة عشر رجلاً على رجل واحد (وفقا لبيان المملكة) وتسميته شجارا، فهو اعتداء على قواعد المنطق وعقول المستمعين!

فإذا افترضنا (جدلا) اجتماع هذا الفريق، وذهابهم سويا في اللحظة ذاتها إلى القنصلية (من دون أوامر عليا) وشجارهم مع “خاشقجي” ثم سقوطه قتيلا بين أيديهم -بالخطأ- كما يقول البيان، فلماذا لم يبلغ عنهم القنصل السعودي؟ هل اشترك معهم في الجريمة البشعة؟ أم قرر فقط التغطية عليهم؟

وهل يعقل أن يشترك هؤلاء جميعا في جريمة مروعة، والتغطية عليها بدوافع ذاتية، من دون تحريض من أحد؟

فلماذا إذن قررت المملكة عزل اللواء أحمد عسيري (نائب رئيس الاستخبارات العامة) وكذلك المستشار برتبة وزير بالديوان الملكي “سعود القحطاني”؟

موقف بن سلمان

وإذا صدقنا تلك الرواية المرتبكة، والتي لم يصدقها أحدُ سوى “ترمب”، فنحن مضطرون حينها أن نُكذب ما أعلنه ولي العهد السعودي، “محمد بن سلمان” بنفسه، في تصريحه لوكالة “بلومبرغ” الأمريكية أن خاشقجي خرج من القنصلية بعد دقائق أو نحو ساعة من إنجاز معاملة له، وقال حينها: “مستعدّ للسماح لتركيا بتفتيش قنصلية السعودية، وليس لدينا ما نخفيه”، وهي الرواية ذاتها التي أكدها شقيقه خالد (سفير الرياض في واشنطن)، وكذلك القنصلية السعودية في إسطنبول، والداخلية السعودية!

بدأ الأمر بالنفي التام، ثم اتهام قطر وتركيا وإيران، ولم تسلم خطيبة خاشقجي من سيل جارف من تشويه واتهامات وانتقادات، وفي الختام: اعتراف رسمي من السلطات السعودية بوقوع جريمة قتل داخل أروقة قنصليتها، مع صمت مريب عن وضع ومكان الجثمان؛ تتساءل الشعوب العربية بسخرية، عن حال الإعلام السعودي الآن!

إدارة الملف

ربما ستفعل المملكة ما بوسعها لإنهاء تلك القضية ولو بالتضحية بدماء الكثيرين، بتنفيذها فيهم حدّ القصاص، لكن المؤكد أن المملكة قبل مقتل خاشقجي لن تكون هي ذاتها عقب مقتله.

صحيحٌ أن خاشقجي ليس أول ضحية للأنظمة العربية، وربما لن يكون الأخير، لكن ولكونه صحفيا في واحدة من أشهر صحف العالم (واشنطن بوست)، وما عرف عنه من أخلاق حظيت باحترام الجميع، ولمقتله كذلك بتلك الطريقة المفزعة، التي لم يعرف لها العالم من قبل مثيلا، حيث يفقد الإنسان حياته، ويرّوَع في المكان الذي من المفترض أن يكون الملجأ الآمن له (قنصلية بلاده)

ولسبب مهم أيضا (يمكن اعتباره من أكثر الأسباب أهمية)، هو وقوع الحادث على الأراضي التركية، وإدارة الزعيم التركي “رجب طيب أردوغان للملف بطريقة مبهرة ومثيرة للإعجاب، بالإضافة للتغطية المحترفة والقوية لشبكة الجزيرة الإخبارية، كل هذا جعل من قضية “خاشقجي” تأخذ ذلك المنحى العالمي وتحظى بكل هذا الاهتمام.

وفي النهاية بقيَّ سؤال أخير، آن لنا أن نطرحه، بعد أن شغل كثيرا، البال والأذهان: وهو ماذا بينك وبين ربك يا “خاشقجي” ليكون موتك حديث العالم بأسره، ويكون دمك نورا، يفضح ظلمات الباطل ويكشف زيفه ويكسر أنفه رغم كل ما يملكه من قوة وسطوة وطغيان؟

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها