“مذبحة نيوزيلندا”: كيف كان “ترمب” و”السيسي” أبرز المشاركين؟

 

لم يساورني الشك في كونها إحدى ألعاب الفيديو الشهيرة المسماة بـ “بابجي” ، بندقية تتحرك أمام الكاميرا، ولاعبُ يقف خلفها، على أنغام موسيقية حماسية، تنطلق الرصاصات بصوت مدوٍ، وفوارغه تتناثر أرضا، شوارع خالية من المارة، يمر القاتل عبرها، ليصل أخيرا لساحة اللعب. سجاد أخضر يحمل علامات تشبه تلك الموجودة بمساجدنا، بشر باسمون يلتقون بحامل السلاح، يبدو أحدهم كأنه يلقي التحية عليه، فتخترق رصاصات القاتل جسده، ليسقط أرضا، ويتوالى بعده العشرات، في فيديو يحمل شارة “البث الحي”،  ذخيرة لا تنفد، وخزنة سلاح يملأها القاتل مرات ومرات، عبارات بالإنجليزية وأرقام  دونت على كل جزء من أجزاء السلاح، بعضها تواريخ معارك جرت منذ مئات السنين بين مسلمين وصليبيين، كمعركة بلاط الشهداء في 732م التي انتصر فيها الصليبيون على جيش الخلافة الأموية، تاريخ دون بجانبه اسم القائد لجيش الصليبيين “شارل مارتل”،

ومعركة تولوز التي انتصر فيها دوق أقطانية على الأمويين عام 721 م.

ومعركة فيينا 1683م التي انتهت بانتصار التحالف المسيحي على دولة الخلافة العثمانية.

 بالإضافة إلى حصار بلغراد 1688م، والتي قامت به الإمبراطورية الرومانية ضد الخلافة العثمانية،

 وكذلك تاريخ الحملة الصليبية الثالثة 1189م وما تبعها من سقوط عكا ومجزرة عكا التي قتل فيها ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا أكثر من 2000 مسلم بعد تأمينهم.

ومعركة “ليبانت البحرية” 1571م التي انتصر فيها التحالف الصليبي على أسطول الدولة العثمانية.

بخلاف أسماء إرهابيين ارتكبوا حوادث قتل ضد مسلمين، وعبارات تتوعد اللاجئين بإرسالهم للجحيم، وأخرى تهاجم أردوغان وتركيا، وتشيد بالرئيس الأمريكي “ترمب” وسياسته العنصرية ضد المهاجرين.

في أقاصي الأرض

ليست لعبة إذن، ولا مشهد تمثيلي، بل مذبحة مفجعة، جرت على واحدة من أهدأ بقاع العالم، في أقاصي الأرض، في جزر نيوزيلندا، جنوب غربي المحيط الهادئ، في رسالة واضحة -كما أشار القاتل الأسترالي “برينتون تارانت” في بيانه: لن ينعم مسلم بالأمن في أي مكان!

العجيب في الأمر، أن الحكومة النيوزلندية اعترفت، بأن القاتل أعلمهم بالمذبحة قبل تنفيذها بعشر دقائق، لكنهم لم يتحركوا، بدعوى أنه في رسالته التي أرسلها لرئيسة الحكومة وزعيم المعارضة ورئيس البرلمان، وعدد كبير من الصحف ووسائل الإعلام، لم يحدد موعد التنفيذ!

تركوا حادثا يمر، ويستمر قرابة العشرين دقيقة، وتم إذاعته “لايف” على فيسبوك، وقبله بيان منشور، فيه تهديدات مروعة، ولم يتدخل رجال الشرطة والأمن، إلا بعد مقتل أكثر من خمسين مسلما، وجرح عشرين آخرين داخل مسجدين بمدينة “كرايست تشيرش” أو “كنيسة المسيح”!

مجزرة مروعة، لم تجد الصدى الإعلامي، ولا التعاطف الدولي، ولا الإدانات الواسعة، ولا الاستنكار الكبير، الذي حظي به مقتل عشرة من العاملين بالصحيفة الفرنسية “شارلي إبدو”، صاحبة التاريخ المخزي والمشين في نشر رسومات الكاريكاتير المسيئة للإسلام ونبيه “محمد” عليه الصلاة والسلام،

ضحايا بالعشرات، قتلوا وهم آمنون مطمئنون، أثناء قيامهم بحقهم في ممارسة شعائرهم داخل بيت من بيوت الله، فلم يعزِ فيهم زعماء العالم، ولم يقوموا بمسيرة تطوف شوارع نيوزلندا، ولم يبكيهم عباس أبو مازن، أو أي من قادة العرب والمسلمين الذي بكوا القتلى الفرنسيين!

وبعيد ساعات قليلة من الحادث، أخذت الحماسة عددا من المتطرفين الإنجليز فهاجموا بالعصي والمطارق رواد مسجد في لندن.

التطرف المسيحي

نزعة من تطرف مسيحي، وكراهية عجيبة لدين الإسلام، وحقد دفين، يبرر له إعلام غربي، وساسة من أحزاب يمينية متطرفة، وصل أحدهم لرئاسة أكبر دولة بالعالم.

بيانا من 73 صفحة، نشره إرهابي نيوزلندا قبل ارتكابه المجزرة، بعنوان “مانفيستو”، ذكر فيه دوافعه للقتل، وجاء فيه: لقد وجدت في الرئيس ترمب وخطه السياسي والفكري ما آمنت به، فهو الذي يقود حملة الدفاع عن “الجنس الأبيض” ويقف ضد تلوث المجتمع بالمهاجرين والمسلمين.

يبدو أن الرئيس الامريكي “ترمب” كان الملهم، والأب الروحي لتلك المجزرة، ولم لا؟

فهو الذي لم يُخفِ عُنصريّته وعَداءه للعَرب والمُسلمين يوما واحدا، سواء أثناء حَملته الانتخابيّة، أو بعد تولّيه الرئاسة، وكان أول قرار اتّخذه مَنع مُواطني سبع دُولٍ إسلاميّةٍ من دُخول الولايات المتحدة، سواء كزوّار أو مُهاجرين!

 لا يقف “ترمب” وحده، كمحرض على تلك الدماء، بل يشاركه عدد من حكام عرب، يفترض فيهم، أنهم مسلمون!!

قبل أسابيع قليلة من هجوم نيوزلندا، وقف عبد “الفتاح السيسي” قائد الانقلاب المصري، في مؤتمر ميونخ للأمن يطالب زعماء أوروبا بتشديد الرقابة على المساجد باعتبارها على حد وصفه “منطلقا للإرهابيين”!

وبينما وصفت وزارة الخارجية النيوزلندية الحادث وعدد كبير من دول العالم بينهم إسرائيل، بالإرهابي، اعتبرته سفارة نظام السيسي في نيوزلندا (حادث إطلاق نار عشوائي).

شكر المصريون ربهم، أنها لم تصفه بتبادل لإطلاق النار، كما يفعل النظام المصري في بياناته عقب تصفيته لمعارضين!

واكتفت غالبية الصحف العربية بوصف الحادث، بهجوم على مسجدين، وامتنعت تماما عن وصفه بالإرهابي، حتى بعد إعلان نيوزلندا ذلك في بيان رسمي، وكذلك عدد كبير من دول العالم منهم إسرائيل!

وكان الأشد صدمة والأكثر غرابة، هو بيان دار الإفتاء المصرية الذي عبر فيه ما حدث قد أعطى قبلة الحياة للجماعات الإسلامية المتطرفة!

مرصد الإفتاء المصري

المؤسسة التي نشرت على صفحتها الرسمية منذ أيام كاريكاتيرا، أثار موجة غضب كبيرة على مواقع التواصل، يصور الإرهابي الذي يستعد لتفجير نفسه، بحزام ناسف، بشاب ملتحٍ، يرتدي الجلباب الإسلامي!

يبدو أن مرصد الإفتاء المصري، يسير بدقة على نهج قائد النظام، وتحريضه المتواصل على الإسلام المسلمين، ففي احتفال مصر بذكرى ميلاد النبي عام 1436 هـ، بداية العام 2015 م، انفرد السيسي في كلمته بما لم يجرؤ أحد على قوله من قبل في التاريخ الحديث،

فلقد أتهم الأمة الإسلامية بكاملها 1.6 مليار مسلم بالإرهاب، حتى أن “جورج بوش “نفسه، الذي أعلنها حربا صليبية لم يفعلها، بل اتهم فقط جماعات بعينها.

حيث قال “السيسي” ما نصه: “يعني الواحد وستة من عشرة مليار هيقتلوا الدنيا كلها اللي فيها سبعة مليار عشان يعيشوا هُمّا؟”

لا يحتاج سفاح نيوزيلندا، لأكثر من أحاديث السيسي بوصفه رئيسا لأكبر دولة عربية وإسلامية، وتحريضه المتواصل على دين الإسلام والمسلمين والتحذير من مساجدهم، ليقدمه محاميه في معرض الدفاع عنه.

مذبحة “نيوزيلندا” جريمة واحدة، لكن القتلة عديدون.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان