أعتقد مرات أننا نظلم ملوك الطوائف الأندلسيين أنفسهم حين نستحضرهم في كل صغيرة وكبيرة تخص واقعنا العربي البئيس في لحظتنا العربية والعالمية هذه والأكثر بؤسا في التاريخ الحديث كله.
وأعتقد أن ما تعيشه الملكيات العربية بالخصوص في هرولتها إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، أقرب إلى ما عاشته الملكيات الأوروبية ما بين الحربين الأوروبيتين خلال القرن الماضي، التي تسمى تضخيما عالميتين، منها إلى فترة ملوك الطوائف الأندلسية في تاريخنا المغربي الإسلامي.
في نوفمبر سنة 1918 كانت أوربا تحتفل بنهاية حرب أدت إلى مقتل عشرين مليون شخص، تقع مسؤولية مجازرها على عاتق ملوك تلك الفترة وكلهم أبناء عمومة تناحروا، مما أدى إلى انهيار إمبراطوريات بكاملها حيث كان السؤال: لماذا وكيف تناحر أبناء العمومة؟
نفس الشيء تقريبا سيعيشه القيصر الألماني غيوم الثاني من منفاه الهولندي، حيث افتتن بذلك “العريف الصغير” وآمن أنه يمكنه استعادة مجد ألمانيا ومعها عرشه ربما
كما أن مقتل القيصر الروسي نيكولاي الثاني أشهرا قليلة قبلها على يد الثوار البلاشفة والخوف من نفس مصيره، سيصير عامل توحيد للعائلات الملكية الأوروبية أمام الخطر الشيوعي، ومن ثم صارت ترحب بوصول رجال للسلطة يمكنهم أن يكونوا السد المنيع في وجه المد الشيوعي القادم من الشرق، ومنه بدأت تغازل النازية والفاشية اللتين صارتا تطمحان لكبح طموح الشيوعية في القارة الأوروبية، لتقع أخيرا في فخي هيتلر وموسوليني كبيادق لعبة.
كانت إيطاليا سنة 1920 من أولى الملكيات المتأثرة من زعزعة استقرارها من طرف الشيوعيين، لذلك سوف يرى الملك فيكتور-إمانويل الثالث وعود موسوليني بإعادة الاستقرار مرة أخرى بعين الرضى وسوف يتواصل عملهما معا لعدة سنوات، حتى تمكن موسوليني من القفز بإيطاليا من ملكية دستورية إلى ديكتاتورية ليس للملك نفسه فيها أي دور، ومع ذلك ظل حامدا للوضع ومنتشيا بتعافي بلاده الاقتصادي ودخولها في عصر التحديث.
نفس الشيء تقريبا سيعيشه القيصر الألماني غيوم الثاني من منفاه الهولندي، حيث افتتن بذلك “العريف الصغير” وآمن أنه يمكنه استعادة مجد ألمانيا ومعها عرشه ربما، لذلك سوف ينتمي ولداه للحزب النازي من بينهما ولي عهده وسيسحبان معهما العديد من الأرستقراطيين الألمان، في جهل تام بما خطه هيتلر في كتابه كفاحي، بخصوص العائلة المالكة الألمانية، وباحتقاره للطبقة الأرستقراطية، لكنه كان يحتاجها ليستحوذ على السلطة وما إن فعل سنة 1933 حيث صار مستشارا لألمانيا لا يحكم معه أحد، حتى انقلب عليها في إحدى ليالي سنة 1934 الأكثر دموية في ما يعرف بليلة السكاكين الطويلة. وكان من بين ضحاياها من اعتبروا أعداء من الأرستقراطيين وتم حبس ابن القيصر نفسه وهو نائب نازي في البرلمان.
في تلك الفترة وحده ملك إنجلترا جورج الخامس من انزعج حقيقة من وصول هيتلر إلى السلطة، لكن موته في سنة 1936 سوف يخلف بعده وريث عرشه إدوارد الثامن، الذي لم يكن يخفي تعاطفه مع هيتلر والذي سوف يتنازل شهورا قليلة عن العرش ليتمكن من الزواج من حبيبته التي رفضتها الأعراف الملكية لطلاقها. وفي عزلتهما بعدها سوف يستقبلهما هيتلر في ميونخ ويتحدث بعض المؤرخين عن أنه كان ينوي إعادته إلى العرش بعد غزو إنجلترا، وبعض آخر يتحدث عن أن الأمير كان يتمنى قصف بلاده وعندما حدث ذلك فر إلى فرنسا ثم بعد سقوط فرنسا في يد النازية غادر إلى لشبونة في البرتغال ومنها حاول زعزعة تشرشل الذي هدد بإحالته إلى المحكمة العسكرية. ومن المؤخرين من يجزم أنه هو من قدم خطط الدفاع البلجيكية للألمان مما يفسر سقوطها السريع في يد النازية.
أما في بلجيكا حيث رفض الملك ليوبولد الثالث مغادرتها إلى لندن قبل الغزو النازي لها حيث كان يجتمع الملوك الأوروبيون ” للمقاومة” خلال الحرب العالمية الثانية، كالملكة الهولندية ويلهيلمين التي كانت تترأس حكومة بلادها في المنفى وشارلوت دوقة لوكسمبورغ الكبيرة التي قررت المغادرة إلى فرنسا أولا ثم بعدها إلى لندن وقد عرفت بخطاباتها لشعبها من أجل المقاومة عبر المذياع وقتها لتصبح بطلة قومية في نظر مواطنيها.
فالربيع العربي وسقوط الرئيسين التونسي بن علي والمصري مبارك وإمكانية حكم “إسلام ديموقراطي” وإن لم يكن كامل التبلور وقتها ولا يزال، خلق نفس رعب ملوك أوروبا من نجاح الثورة البلشفية ومقتل القيصر في نفوس الملوك العرب.
وإن كان سؤال مغادرة كل هؤلاء الملوك والملكات لبلدانهم خلال الغزو النازي مع ما حملوه معهم من ثروات ومجوهرات لا يزال موضوع دراسة المؤرخين، فسوف تنتهي القصة في بلجيكا بسؤال الملكية في البلاد وأزمة الحكم الوطنية التي ستعرف في آخرها تنازله عن العرش لولي عهده بودوان وهو في سن العشرين بعد عودته من منفاه سنة 1950 حيث أخذه الألمان أسيرا وعائلته وهم يغادرون بروكسيل قبل تحريرها سنة1944 ولكنه سيظل في المنفى حتى بعد تحريره من طرف الحلفاء وهم يدخلون ألمانيا سنة 1945.
بالرجوع إلى واقع ملكياتنا العربية اليوم يمكننا بكل سهولة أن نقوم بهذه التوازيات، فالربيع العربي وسقوط الرئيسين التونسي بن علي والمصري مبارك وإمكانية حكم “إسلام ديموقراطي” وإن لم يكن كامل التبلور وقتها ولا يزال، خلق نفس رعب ملوك أوروبا من نجاح الثورة البلشفية ومقتل القيصر في نفوس الملوك العرب.
انبهار الملكيات وقتها بالنازية والفاشية وبإنجازاتها التحديثية والاقتصادية وتحالفها معها هو نفس حلف الوجود بين الملكيات العربية وإسرائيل الصهيونية الامبريالية العنصرية التي تبني عقيدتها على التفوق اليهودي واستئصال الآخر، في هذه اللحظة وانبهارها بمستواها التكنولوجي والاقتصادي وبرمجة الاستثمارات.
أما غزو هيتلر لأوروبا فهو نفس حلم إسرائيل الكبرى وكل مقدماته المنطقية حاضرة نشاهدها بأم أعيننا ونشهدها للأسف الشديد. لكن يظل الفرق أن إيطاليا وألمانيا من داخل السياق الأوروبي نفسه لكن إسرائيل خارجة تماما من وعن السياق العربي.
ومع ذلك يظل الأمل أن تستيقظ الأجيال الجديدة وبكل همة من أجل عدم اجترار خيبات ملكيات القرن العشرين على بلدانها وشعوبها وأن يظل هذا الجيل العربي الحاكم المهزوم والوقوعي، مجرد جملة اعتراضية في تاريخ الأمة كلها كما كل دولة على حدة وهو يعلم ممن سبقوه كيف سيخلده التاريخ ويتناوله المؤرخون جيلا بعد جيل.

