سألتكِ يا صخرةَ الملتقى

 

انطلقتُ أجوبُ شوارعَ حيّها القديم، أعلمُ أنها فكرةٌ سخيفةٌ نوعاً ما، ولكنني أردتٌ ذلك بشدة، ربما لتخلد ذكراها في الذاكرة طالما حييت، مع أنّها لا تحتاج إلى مساعدة أحدهم لتخلد، ولكن يبقى الحبّ يعزفُ على أوتارِ الحنين لتلك الأيام.

وجلستُ على صخرةٍ كانت قريبةً من بيتك، كنتُ كلما أتيتُ لأجلس عليها أجدُ قطاً أسوداً يقفُ بجانبها، لطالما أردتُ الكشفَ عن سرّ هذا القط مع هذه الصخرة، وعندما عجزتُ في نهاية الأمر، أعطيته سبباً كسببي، شباكُ غرفتك السبب. ننتظر أن تطلي علينا بلوزتيكِ، وكنتِ تعلمين تماماً موعد قدومي اليوميّ وجلوسي أنتظرك على تلك الصخرة، ولكنك تتعمدين التأخر، وعندما سألتك عن السبب  قلتِ لي:

= ربما لأعلمَ مقدارَ حبَّكَ لي.

= و هل يُقاسُ الحبّ بالانتظار ؟

= و هل مللتَ بهذه السرعة؟

= لا تُحوِّري الأمورَ كما يحلو لكِ يا طفلتي.

وقفتِ منتفضة وضربتني على كتفي وقلتِ:

= لستُ طفلة، لستُ طفلةً يا أحمق.

ضحكتُ و أجلستكِ ثمّ قلت:

= أحبُّكِ طفلتي.

قلتِ غاضبة قبل أن تذهبي:

= أكرهك.

وذهبتِ. واستمر غضبُك عليّ أياماً كنتُ كمن يمشي مترنحاً على الصراطِ المستقيم. لا يعلمُ إن كان من أهلِ البيت أو من أهل الجحيم. 

وخرجتِ بعد أيامِ شقاءٍ معذبتي، ابتسمتُ لكِ، فألقيتِ بدلو ماءٍ باردٍ عليّ وأخرجتِ لي لسانك، وأنا ما زلت تحتَ وقعِ صدمتي، أفقتُ وضحكتُ عليكِ ثمّ بصوتٍ عالٍ صرخت:

= يالكِ من طفلةٍ جبانة!

نظرتُ بعدها إلى ثيابي. وقلتُ في نفسي: لا بأس بالماء كخطوةٍ أولى، على الأقل خفف من ثورة اشتياقي للوزتيكِ.

توقفت هنا أفكاري على صوتِ بائع الورد وهو ينادي:

= وردٌ من البستان

  لحبيبك الولهان

  للشكر والعرفان

  يشفي هوى الصديان

نظرَ تُجاهي وابتسم، ثمّ بخطواتٍ بطيئةٍ تقدّم نحوي وقال:

= تفضل يا سيد، أَهدِها لزوجتك علّها تعيد الحبّ لمجراه الأساسي.

ابتسمتُ له وقلت وأنا أتناول الوردة منه:

= ومن قال إنّ حبي لا يسيرُ في طريقه؟ هو أنقى من أن يسيرَ في الطرقات يا عزيزي، مكانه الوحيد التحليقُ في السماء.

ودفعتُ ثمنَ الوردةِ وانتقلتُ إلى ماضيِّ الجميل.

كنتُ لأول مرةٍ أفعلها. تسلقتُ جدار منزل ذاك العجوز جاركِ، قطفتُ وردةً حمراء كخديكِ، وانتقلتُ مسروراً بها إليكِ. لم ألحظْ أنّ ذاك العجوز قد انتبه لي وكان قد ابتسمَ لما فعلت.

عدتُ بعد يومين إلى منزل ذاك العجوز وسرقتُ وردةً أخرى كالسابقة. وما إن التفتُ للفرار بها حتى وجدتُ العجوزَ واقفاً بالمرصاد، ارتبكتُ، لم أدرِ ماذا أقول أو ماذا أفعل.

= لقد كنتُ.

ابتسمَ وقال:

= تقطفُ لها الورد من هنا.

= اعذرني أرجوك.

ربتَ على كتفي ثمّ قطفَ وردةً أخرى وابتسم ثمّ مدها لي.

= في المرة القادمة اطرق الباب. لا داعي لحركات العاشق السارق هذه.

ابتسمتُ له وذهبت.

وفي جلستي هذه، لفتَ انتباهي مجيء قطٍ رماديٍّ إلى تلكَ الصخرة، وبدأ ذاك القطّ بمسحِ فروة شعره في قدميّ. ابتسمت وحملته بين يديّ و بدأتُ أمسحُ على شعره و أحدثه: 

= ما الذي جاء بكَ إلى هنا؟ 

ونظرتُ إلى شباكِ غرفتك القديمة، التي تسكنها الآن غيرك. 

= هل هيَ هناك؟

و ضحكتُ و قلتُ له: 

= كنتُ أسيرُ معها ذاتَ يومٍ في هذا الطريق، أمازحها و أغضبها،ثمّ توقفتُ فجأة عن السير لحظة، فقالتْ باستغراب:

= هل قلتُ شيئاً خاطئاً؟ لمَ توقفت؟

نظرتُ إلى الصخرة ثمّ إليها و انفجرتُ ضاحكاً. قالت بغضب:

= ألم أحذرك من أن يأخذَ الاستهتارُ حيِّزاً في عقلك ما إن أتكلم معك!

ابتسمتُ لها و قلت:

= هل تمتلكين قطةً في المنزل؟

= ماذا؟

= أجيبي فقط.

نظرت بحيرة و قالتْ :

= نعم، تيم أخي الصغير يملكُ واحدة، لماذا؟

= انظري إلى تلك الصخرة.

نظرت إليها ثمّ التفتت إليّ بابتسامةٍ ماكرة وقالت:

= حسناً، هذه الصخرة التي أُجلسكَ عليها ساعات.

قلتُ ببرود:

= أقصد انظري إلى الجالس هناك.

= قط، قطٌ أسود، ماذا تقصد؟

قلتُ بسخرية:

= نعم قط أسود. يشعرُ بي أكثر مما تشعرين أنتِ. يجلسُ معي لساعاتٍ بانتظاركِ يا حمقائيَ الصغيرة.

ضحكت و التفتت إلى بابِ منزلها، فناديتها:

= هييه. زهراء. 

التفتت إليّ. فقلتُ لها:

= اجعلي تيم يُخرجُ قطته المغرورة ما إن تخرجين لي. وأسفاً على هذا القط .

= يا لكَ من أحمقٍ جميل. 

وذهبنا كلٌ إلى طريقه. 

وعدتُ إلى واقعي أنظرُ إلى القطّ الرماديّ ويبدو أنه أحبّ مداعبتي لشعره وحكايتي ( يا للحب كم يجعلنا حمقى طرقات ).

وتركتُ القطّ على الصخرة. وذهبتُ أسابق خطواتي للعودة إلى منزلي. فتلقاني معذبتي بابتسامتها المعتادة، فتشفي تعباً كان قد أثقل كاهلي . 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان